مرتزقة اليمن عبء على الرياض
السياسية || محمد محسن الجوهري*
منذ أن حطّ هؤلاء المرتزقة رحالهم في فنادق الرياض، والمدينة تدفع الثمن من أمنها واقتصادها؛ فقد تحولوا إلى "ثقب أسود" يبتلع الميزانية السعودية بلا توقف، بعد أن نجحوا في بيع أوهام 'الحسم السريع' وورطوا المملكة في مستنقع يمني لا خروج منه، تاركين محمد بن سلمان يغرق في سلسلة من النكسات العسكرية التي كسرت هيبة 'الجارة الكبرى' إلى غير رجعة.
هذا الانكسار كان الضوء الأخضر الذي تجرأ بفضله الخصوم على قصف العمق السعودي بلا تردد، كما رأينا في الرد على مغامرة ترامب الأخيرة في إيران. ولم يتوقف الأمر عند السلاح، بل امتد لسان الإعلام القطري الذي وجد في هذه العثرات مادة دسمة للنهش في حكام المملكة وتعرية ملفاتهم أمام العلن، بعد أن كشف هؤلاء المرتزقة بضعفهم وخيانتهم عجز المنظومة التي تراهن عليهم.
"والأدهى من ذلك، أن هؤلاء المرتزقة لا يزالون يمارسون هوايتهم في استنزاف النظام السعودي وتكبيده الخسائر تلو الأخرى؛ فبعد أحد عشر عاماً من الهزائم الميدانية، ما زالوا يملكون القدرة على تسويق أوهامهم في ردهات الرياض. وهذا الاستنزاف المحموم للميزانية هو ما دفع السلطات السعودية إلى سد العجز من جيب المواطن؛ عبر رفع الدعم عن المشتقات النفطية ومضاعفة الضرائب لعدة مرات.
ويكفي أن تعقد مقارنة بسيطة بين أسعار السلع قبل مغامرة العدوان على اليمن وبينها الآن؛ حيث قفزت أسعار الوقود بنحو خمسة أضعاف، وجرّت خلفها أسعار كافة السلع الأساسية، مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية وتراجع جودة الحياة التي كان ينعم بها مواطنو المملكة، ليصبح المواطن السعودي هو الضحية الحقيقية لتمويل "حرب الفنادق" التي لا تنتهي.
ونتيجة لسياسات الإفقار الممنهجة التي فرضتها كلفة الحرب، وخوفاً من تحول تململ الشارع وتذمره من غلاء المعيشة إلى موجة غضب عارمة تهدد أركان الدولة، لم يجد نظام آل سعود مفراً من إحكام قبضته الحديدية على أنفاس المواطنين. فبدلاً من معالجة جذور الأزمة، اختارت السلطة سياسة 'الترهيب الوقائي' لإخراس أي صوت ينتقد التدهور الاقتصادي أو الهدر المالي في اليمن.
وقد تجلى هذا النهج في تحويل الأجهزة الأمنية إلى أداة لقمع سجين الرأي وكل من تسول له نفسه الاعتراض ولو بتغريدة؛ حيث شهدت السنوات الأخيرة طفرة مرعبة وغير مسبوقة في تنفيذ أحكام الإعدام، لم تستثنِ القاصرين أو الأكاديميين أو النشطاء، في رسالة دم حادة تهدف إلى فرض الصمت المطلق وتدشين عصر 'الخوف الشامل' كبديل عن الرفاه الذي كان يوماً عقداً اجتماعياً بين آل سعود وسكان المملكة.
أما عن أسطورة 'السعودية العظمى' التي روج لها طويلاً منذ صعود بن سلمان للسلطة، فهي لا تختلف في جوهرها عن وهم 'إسرائيل الكبرى'؛ فكلاهما كيان وظيفي يتمدد بالدعاية وينكمش عند المواجهة الحقيقية. لقد جاءت الحرب الأمريكية–الإيرانية الأخيرة لتضع النقاط على الحروف وتكشف الحجم الحقيقي لكل طرف؛ حيث أثبتت الوقائع أن النظام السعودي ليس لاعباً أصيلاً في هذا الصراع، وإنما أداة يحركها الأمريكي وفق مصالحه وحساباته الخاصة.
ولو كانت هذه 'العظمة' المزعومة واقعاً ملموساً وليست مجرد حبر على ورق المطبخ الإعلامي، لرأينا رداً سعودياً مكافئاً على الصفعات الإيرانية المتتالية؛ لكن العجز الميداني لم يترك للرياض سوى 'النحيب الإعلامي' واستجداء الحماية الدولية. وهذا الهروب إلى الأمام لم يزد النظام إلا هشاشة، وكشف للجمهور السعودي أن 'القوة العظمى' المزعومة ليست سوى نمر من ورق يتهاوى عند أول اختبار جاد للسيادة.
وكل ذلك الانحطاط بدأ بخطأ بسيط في الحسابات، عندما ظنت المملكة أن مرتزقة اليمن قادرون على رسم نصر ساحق ضد شعبهم تكون فيه الغلبة للمملكة والمال للمرتزقة، إلا أن الإخفاقات توالت على مدى عقد ونيف من الزمن، وهذا الفشل المركب—عسكرياً واقتصادياً وأمنياً—خلق فجوةً لا يمكن ردمها بين طموحات السلطة وواقع الشعب، وهو ما يجعل من انهيار العقد الاجتماعي القديم مسألة وقت ليس إلا، وقريباً سيجد النظام نفسه في مواجهة حتمية مع 'تسونامي' داخلي من الغضب المكتوم، الذي لن تمنعه القبضة الأمنية ولا الوعود الزائفة من الانفجار.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

