انكسار "المركافا" تحت أسوار الخيام والطيبة وبنت جبيل
د. ميرنا عطية*
شهد السادس عشر من نيسان 2026 لحظة مفصلية في تاريخ الصراع العربي "الإسرائيلي"، حيث أُرغم العدو الصهيوني على وقف إطلاق النار والانسحاب من مغامرة برية كبّدته أثمانًا باهظة. هذا الرضوخ لم يكن نتاج "رغبة في السلام"، بل كان نتيجة حتمية لمعادلات القوة التي رُسمت بالدم والنار في جنوب لبنان.
الميدان... المقبرة التي ابتلعت أوهام الاحتلال
عسكريًا، فشل العدو في تحقيق هدفه الاستراتيجي المعلن "تطهير الجنوب". فقد تحولت مدن وقرى الخيام، وبنت جبيل، والطيبة إلى قلاع عصية، حيث خاض المجاهدون ملحمة استنزاف كبرى منعت النخبة "الإسرائيلية" من تثبيت أي نقطة احتلال. فصمود المقاتلين في الميدان لم يكسر الهيبة العسكرية للعدو فحسب، بل حوّل الداخل "الإسرائيلي" إلى جبهة منهارة تحت ضربات الصواريخ، ما جعل استمرار الحرب انتحارًا سياسيًا وعسكريًا للقيادة الصهيونية.
المفاوضات... حين تُملي القوة شروط السياسة
في الغرف المغلقة، دارت معركة لا تقل ضراوة عن الميدان. لقد نجحت إيران، كداعم استراتيجي، في إدارة اشتباك دبلوماسي ألزم الإدارة الأميركية بضرورة وقف الجنون "الإسرائيلي". هذا الضغط الإقليمي أجبر واشنطن بدورها على ممارسة ضغوط حقيقية على "تل أبيب".
وفي لبنان، برز دور الرئيس نبيه بري كمفاوض صلب أدار التفاصيل بذكاء، متمسكًا بالثوابت السيادية، ما مكّنه من تحويل انتصارات الميدان إلى مكاسب سياسية منعت العدو من فرض ترتيباته الأمنية على حساب اللبنانيين.
"مفاوضات العار" وانفصام السلطة
في المقابل، ظهر مشهد مؤسف لبعض أركان السلطة اللبنانية، الذين سارعوا لقطف ثمار النصر، فبدت تحركاتهم وكأنها محاولة "تبييض" لصورهم أمام المجتمع الدولي، متماهين مع الطروحات التي حاولت المساواة بين الجلاد والضحية، في ما وصفه مراقبون بـ "خضوع العار" في صياغة مواقف لا تعبر عن تضحيات البيئة المقاومة.
خطاب جوزيف عون... سقطة "الصديق" وتغييب الأبطال
جاء خطاب الرئيس جوزيف عون بالأمس ليزيد من الشرخ الوطني. فبدلًا من أن يكون خطابًا جامعًا، سقط في فخ التملق السياسي من خلال:
وصف ترامب بـ "الصديق": وهو الرجل الذي كان الغطاء السياسي والمالي لكل مجزرة ارتُكبت بحق اللبنانيين.
تغييب المقاومة: تجاهل الخطاب دور المجاهدين، ونسب الفضل في وقف الحرب لـ "أصدقائه" الدوليين وللجيش الذي طلب منه الانسحاب في بداية الحرب، في محاولة لنزع الشرعية المعنوية عن المقاومة الشعبية. لا وبل اتهم المدافع عن أرضه بالمنتحر الذي أودى بالبلد للتهلكة.
يوم العودة... السيادة الشعبية مقابل رعب المستوطنين
إن المشهد الختامي لهذه الحرب رُسم على طرقات الجنوب والضاحية؛ حيث عاد الأهالي لتفقد قراهم المدمرة برؤوس مرفوعة، محولين الركام إلى منصات فخر. وفي المقابل، بقي مستوطنو الشمال "الإسرائيلي" غارقين في رعبهم، عاجزين عن العودة، لتبقى جبهة الشمال "الإسرائيلي" أرضًا مهجورة، وهنا تكمن معادلة الرعب التي حققتها إنجازات المقاومة.
في الخلاصة، إن وقف إطلاق النار في لبنان 2026 هو انتصار للمقاتل الذي ثبت في الجنوب، وللأهالي الذين صمدوا في النزوح، وهو هزيمة مدوية لكل من حاول الرهان على انكسار لبنان، سواء من أعداء الخارج أو من المهرولين نحو "وهم سلام مع عدوّ غادر" في الداخل.
* المقال يعبر عن راي الكاتب ـ موقع العهد

