لبنان.. قضية الأمة وخندقها الثاني
السياسية || محمد محسن الجوهري*
نجح الاستعمار الأوروبي في تجزئة الجغرافيا الإسلامية والهيمنة على كل جزء بشكلٍ منفصل عن غيره بعد أن أوكولوه إلى ثلة من عملائهم الخونة، بحيث يتسنى للصهاينة ممارسة مخططاتهم بلا رادع كما سبق وفعلوا في فلسطين وحالياً في لبنان وسورية والحبل على الجرار.
ولأن الأنظمة بشكلٍ عام هي موالية للهيمنة الصهيونية فإن الرهان على تحرير الشعوب يأتي من داخل الشعوب نفسها، ومن هنا تحرك حزب الله في لبنان كما تتحرك فصائل المقاومة الفلسطينية دونما أي رهان أو دعم من الأنظمة الرسمية في القطرين كالسلطة العميلة في الضفة بقيادة أبو مازن أو دولة اليمين المسيحي المتطرف في لبنان.
وبالنسبة للبنان، كان ولا يزال حجر الزاوية في بنيان العزة العربية والإسلامية، والجبهة الأولى التي تحطمت فيها أساطير "الجيش الذي لا يُقهر". واليوم، والعدوان الصهيوني يجدد غطرسته مستهدفاً الأرض والإنسان، يعود السؤال ليطرح نفسه بقوة: هل لبنان قضية لبنانية فحسب؟ أم أنه قضية الأمة الإسلامية مجتمعة؟
إن عقيدة الأمة الإسلامية وتاريخها المشترك يفرضان حقيقة لا تقبل الجدل؛ وهي أن الأمة كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. لبنان اليوم هو هذا العضو الذي يواجه "الحمى الصهيونية" نيابة عن الأمة، واستفراده في هذه المعركة هو طعنة في خاصرة الوعي الجمعي الإسلامي، وكسر لأولى قواعد السيادة والكرامة التي تربت عليها الشعوب، كما أن مساندته في وجه الاحتلال الصهيوني ليست "مكرمة" تُمنح، وإنما واجب شرعي وأخلاقي، وضرورة استراتيجية قصوى. فالعدو الصهيوني لا يطمع في قرية جنوبية أو تلة بقاعية فقط، بل إن عينه على المنطقة برمتها، وضياع السد اللبناني المنيع يعني شرعنة استباحة كل العواصم الإسلامية.
والدعم لمجاهدي لبنان سهل ومتيسر، سواءً بالإمداد بالسلاح أو بالمقاتلين وكل الوسائل التقنية والعسكرية واللوجستية لكسر شوكة التفوق العسكري للعدو، وتحويل أرض الجنوب إلى مقبرة لأوهامه؛ فصاحب الأرض حين يمتلك أدوات الردع، يصبح قادراً على فرض معادلات جديدة تمنع استباحة السيادة وتجبر المحتل على التراجع والاندحار.
ويواكب هذا الفعل الميداني حراكٌ سياسي ودبلوماسي لا يهدأ، يهدف إلى انتزاع قضية لبنان من زوايا "النسيان الدولي" ووضعها على طاولة الإجماع العالمي كقضية حق لا تقبل المساومة؛ وهذا يتطلب جهداً دبلوماسياً إسلامياً موحداً يفضح السلوك النازي للاحتلال، ويكسر جدار الصمت الدولي الذي يغطي المجازر المرتكبة ضد المدنيين، ويحول الرواية الصهيونية الكاذبة إلى حطام أمام شواهد القتل والدمار.
أما العمق الاستراتيجي الأهم، فيتجلى في المساندة الوجدانية والشعبية، وهي المعركة التي تُخاض في عقول ووجدان الشعوب المسلمة؛ حيث يجب أن تظل جذوة القضية متقدة في النفوس، ويترسخ في وعي كل شاب مسلم من جاكرتا إلى الرباط أن الدماء التي تسيل في ضواحي بيروت وقرى الجنوب هي دماءٌ من جسده هو، وأن الطفل الذي يُقتل غدراً تحت أنقاض منزله في لبنان هو ابنٌ لكل عائلة في القاهرة وبغداد ومكة ودمشق، فمتى ما آمنت الشعوب بأن الوجع واحد والعدو واحد، سقطت كافة المشاريع التي تهدف إلى تمزيق نسيج الأمة وعزل قلاعها المقاومة.
إن لبنان اليوم لا يدافع عن حدوده الجغرافية فحسب، بل يذود عن كرامة أمةٍ بأكملها أُريد لها أن تُسحق تحت أقدام المشروع الصهيوني وأقدام وكلائه مثل جعجع وعون وغيرهم، ومثل هؤلاء سيتبخرون مع أول موجة من العمل الإسلامي المقاوم فهم لا يتحركون ضد حزب الله لولا علمهم بأنهم في مأمن من الانتقام الشعبي، وهذا الأمن دفعهم للمجاهرة بصهيونيتهم ضد المجاهدين من لبنان وحتى من فلسطين، فهم لا يفرقون بين مسلمٍ وآخر ويتوعدون بإبادة الجميع كما سبق وفعلوا خلال الحرب الأهلية اللبنانية، حيث ارتكبوا العديد من المجازر الجماعية مثل صبرا وشاتيلا وغيرها، وبنفس الدوافع التي يمارس بها الصهاينة إجرامهم في فلسطين.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

