إيران تنتصر على الدعاية الأميركية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
كشف العدوان على إيران بأن الولايات المتحدة الأمريكية ليست بالقوة العظمى المطلقة التي ترسخت في المخيلة العربية، فهي في الواقع أصغر بكثير مما نظن، وأعجز عن صناعة نصر عسكري حاسم بخلاف ما تقدمه الدعاية الأميركية الناطقة بلسان العرب، والتي قدمتها بأنها القوة التي لا تقهر، ليتضح أنها لا تقوى حتى على حماية قواعدها في المنطقة، والتي أُنشئت في الأصل لحماية الأنظمة العميلة الموالية لها.
لقد تجلى هذا الضعف حين تعرضت القواعد الأمريكية والمنشآت الاستراتيجية لضربات مباشرة ومستمرة؛ فقد هرعت أميركا إلى وقف إطلاق النار والتجاوب مع أي مبادرة لإنهاء المواجهة المباشرة، ولذلك قبلت بالمبادرة الباكستانية، وهو الأمر الذي رفضته قبل الرد الإيراني وأصرت على تفجير الوضع عسكرياً في المنطقة.
حينها كان الإعلام العربي، والخليجي في المقدمة، يتحدث عن نهاية وشيكة لإيران بمجرد أن تطلق قواعدها أول هجوم على طهران، وتحدثوا كثيراً عن الإنفاق العسكري الأميركي الذي لا مثيل له بين جيوش العالم، وتجنبوا المرور على هزيمتها من قبل في اليمن أمام قوة تُعتبر ضئيلة جداً حسب المقارنات التقليدية، واضطرت أن تهرب من البحر الأحمر تاركةً خلفها سفن العدو الصهيوني بلا غطاء ولا حماية.
وهذا يعيدنا إلى النقطة الأهم في القوة الأميركية، وهي الدعاية التي جعلت منها قوة أعظم بكثير من حجمها الفعلي على الأرض، بخلاف خصومها الأضعف دعائياً وإن كانوا أقوى بكثير في الواقع؛ ولولا الأداء الميداني لكانت إيران والبحرين في درجةٍ واحدة من القوة، وهنا تبرز الفجوة الكبيرة بين ما تنقله الدعاية الأمريكية الناطقة بلسان العرب، وبين ما يحدث على الأرض. فهذه القنوات والوسائل الإعلامية لا تزال تروج لصورة "الشرطي الذي لا ينام" و"الأسلحة الذكية التي لا تخطئ"، في محاولة مستمرة لترميم صورة الردع النفسي لدى الشعوب العربية، تعويضاً عن الإخفاقات الميدانية المتكررة.
وتشير المصادر إلى أن الهيمنة الإعلامية بدأت في مطلع القرن العشرين، عندما اعتمد الرئيس الأميركي "وودرو ويلسون" لجنة المعلومات العامة (CPI) سنة 1917، وكان الهدف منها هندسة الرأي العام الأميركي وإقناعه بالسياسات التوسعية خارج أرضها، ومنها المشاركة في الحرب العالمية الأولى إلى جانب بريطانيا ضد الألمان.
نجحت هذه اللجنة في إقناع الكثير من المواطنين بالمشاركة في الحرب بعد أن اعتمدت برامج مكثفة لشيطنة الشعب الألماني، كوسمهم بلقب "الهون" (نسبة إلى القبائل البربرية التاريخية). وانتشرت قصص خيالية – تبين لاحقاً بطلان معظمها – عن قيام الجنود الألمان بقطع أيدي الأطفال البلجيكيين أو تعليق الرهبان على أجراس الكنائس، ونجح هذا "الخيال القصصي" في إضفاء القدسية على الحروب الأميركية.
ونتيجةً لهذه الدعاية العدائية تعرض الكثير من الأميركيين من ذوي الأصول الألمانية إلى حملات قمع وتشويه أجبرت الكثير منهم على تغيير أسمائهم، وهذا ما تكرر لاحقاً في الحرب العالمية الثانية معهم ومع ذوي الأصول الإيطالية واليابانية، خاصةً الفئة الأخيرة التي اعتُقل جميع أبنائها (120 ألفاً) وزُج بهم في معسكرات نائية وفي ظروف إنسانية مهينة، وهي التجسيد الفعلي للهولوكوست التي نُسبت للنازيين بعد انتهاء الحرب.
ومع كل حربٍ أميركية -وكل حروبها توسعية- تمارس الدعاية نفسها ضد مفاهيم من اختراعها هي كمحاربة الإرهاب ومصادر أسلحة الدمار الشامل، وقد يستغرق العمل الدعائي سنوات قبل أي تدخل عسكري مباشر، وتبقى الذريعة الأكبر "نشر الديمقراطية" التي تهاجم بها دولاً بعينها لتبرير إسقاط أنظمتها، بينما تغض الطرف عن أنظمة أخرى أكثر قمعاً إذا كانت تخدم مصالحها التوسعية كما هو الحال في السعودية، أكبر حلفائها وأشد الأنظمة قمعاً في العالم.
في الجمهورية الإسلامية، مارست واشنطن أقصى درجات الدعاية الانتقائية، حيث جمعت كل الذرائع ضد طهران: الإرهاب، نشر الديمقراطية، منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والكثير من العناوين الفرعية وعلى ألسنة العرب وإعلامهم التحريضي؛ فأنت ترى قنوات مثل الجزيرة والعربية تتحدث عن الديمقراطية في إيران وتنسى أنها ممولة من أنظمة قمعية، وهي مجبرة في ذلك لأن التوجيهات أميركية، ولو كانت من الأنظمة الخليجية نفسها لما جاءت على ذكر الحريات واختيار الجماهير لحكامها بنفسها، وهذه السياسات كلفت تلك الأنظمة الكثير وأجبرتها على تقديم المزيد من التنازلات.
تاريخياً، بدأ التحريض ضد طهران منذ لحظة سقوط "شرطي الخليج" الموالي لواشنطن عام 1979، حيث تحولت إيران في الدعاية الغربية من "واحة للاستقرار" تحت حكم الشاه إلى "منبع للشر" تحت حكم الجمهورية الإسلامية.
وقد مر هذا التحريض بمحطات مفصلية؛ بدأت بشحن الأجواء القومية والمذهبية خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات لإضعاف الطرفين، ثم تطور إلى سياسة "الاحتواء المزدوج" في التسعينيات، وصولاً إلى اختراع مصطلح "محور الشر" في عام 2002.
هذا التاريخ الطويل يثبت أن العداء بالنسبة للغرب يمثل مواقف استراتيجية ثابتة ضد أي دولة تخرج عن مدار الهيمنة الأمريكية.
ومع مرور الوقت، تحول التحريض ضد إيران إلى استثمار إعلامي ضخم تعيش عليه كبريات المؤسسات الصحفية والبحثية الموالية لواشنطن؛ حيث يتم توظيف "صورة نمطية" تجعل من كل تحرك إيراني —سواء كان تقنياً أو دبلوماسيًا— تهديداً وجودياً للأمن والسلم الدوليين. وامتد هذا التحريض المنهجي على منصات التواصل الاجتماعي معتمداً على خوارزميات المنصات الرقمية والجيوش الإلكترونية التي تعمل على تضخيم أي حراك داخلي وتصويره كنهاية حتمية للدولة، مع ممارسة "تعمية مقصودة" عن أي إنجازات علمية أو استراتيجية، والهدف هو إبقاء المنطقة في حالة استقطاب دائم يمنع أي تقارب إقليمي مستقل، ويبرر استمرار تدفق الأسلحة والتمويل نحو مشاريع الردع الأمريكية.
وكل ذلك يؤكد أن القوة الأمريكية في مواجهتها مع إيران لا تستند إلى كفاءة ميدانية حاسمة بقدر ما تستند إلى "إمبراطورية من الدعاية" جرى تشييدها وصيانتها على مدى عقود. كما إن استخدام مفاهيم مخترعة كالديمقراطية ومحاربة الإرهاب، وتوظيف المنابر العربية كأدوات تحريضية، ليس إلا محاولة لتعويض العجز العسكري عن تحقيق نصر حقيقي على الأرض. لقد كشفت الأحداث أن القدرة المطلقة التي ادعتها لنفسها مجرد صور ذهنية بدأت تتهاوى أمام حقائق الصمود والردع المقابل.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

