غزة تنتقم من المطبعين
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تعرضت الإمارات لضربات إيرانية موجعة خلال الحرب الأخيرة، والأسوأ من الضربات الإيرانية كان مباركة الشارع العربي من أقصاه إلى أقصاه للقصف الإيراني؛ والسبب معروف، وهو أن الإمارات خذلت غزة فاستحقت الخذلان والدمار وشماتة القريب والبعيد.
وهذا المصير المخزي سيتجاوز الإمارات إلى سائر الأنظمة المطبعة في الخليج وغير الخليج؛ فالإمارات كانت البداية والحلقة الأضعف ضمن منظومة الخيانة والتصهين، وهناك من يفوقها في الغدر والتآمر، كالنظام السعودي الذي أسس ودعم موجة التطبيع منذ يومها الأول حتى لو لم يكن من المطبعين في العلن. فمصير آل سعود أسوأ بكثير من مصير أقرانهم، وما موجة التفسخ الأخلاقي التي تقودها الدولة السعودية إلا مؤشر قوي لقرب الهلاك والعذاب الذي لطالما ارتبط بالإفساد في الأرض.
ورغم أن دول الخليج، ومنها الإمارات، تستثمر ثروات هائلة في الإعلام وتحسين سمعتها أمام العالم، إلا أن كل ذلك تبخر في زمن قياسي؛ مما جعل قياداتها تجاهر بحجم الصدمة من مستوى الشماتة العربية. وهذا يؤكد أنه في لحظة حقيقة سيتبخر كل الضجيج الذي رافق الباطل ولو علا صوته وطال زمنه؛ فللحق ثوابت وركائز لا يتجاوزها. وفي زماننا الحاضر مثلت القضية الفلسطينية المعيار الرئيسي للفرز بين أهل الحق وأهل الشر، وقد ارتضت الإمارات لنفسها أن تكون مع الصهاينة طمعاً في الحماية، فلا هي حمت نفسها، ولا أبقت على روابط الأخوة والدين مع بني أمتها.
لقد جنت الإمارات على نفسها، فالتطبيع مع الصهاينة جلب لها الشقاء حرفياً، وساقها مرغمة إلى معاداة الأمة بكلها، ولم تكن غزة سوى الحلقة الأخيرة من مسلسل الخيانة الذي أوكل لها وطال أغلب الشعوب المسلمة بدايةً من اليمن، حيث شاركت الإمارات في العدوان عليه إلى جانب النظام السعودي وارتكبت العشرات من مجازر الإبادة كما جعلت من المناطق المحتلة سجوناً مرعبة حتى للخونة الذين رحبوا باحتلال وطنهم كحزب الإصلاح وغيرهم.
لقد خسرت الإمارات ظهيرها العربي عندما ظنت أن الارتماء في أحضان الصهاينة سيجلب لها 'الحماية المطلقة' من الأخطار الإقليمية. إلا أن إيران وضرباتها أثبتت زيف هذه المعادلة؛ فالمسيرات والصواريخ التي دكت الحصون، ولم تجد من يتصدى لها بفعالية، أسقطت وهم الحماية الغربية وأثبتت أن قوة الحق لا تضاهيها قوة وأن من صارع الحق صرعه.
وعلى النقيض من انحدار المطبعين، تبرز غزة اليوم كبوصلة أخلاقية أعادت ترتيب خارطة الولاءات في الوجدان العربي والإسلامي؛ فالحق المطلق الذي تمثله المظلومية الفلسطينية حرر العقول من حملات التشويه الممنهجة. وهنا تجلى مشهدٌ لم يكن يتوقعه مهندسو 'الشرق الأوسط الجديد'؛ حيث تحولت إيران، رغم عقود من الشيطنة الإعلامية، إلى رقم صعب في المعادلة الوجدانية، وباتت في نظر الشارع العربي 'نصيرة المظلومين' والرهان العملي الوحيد لكسر الهيمنة الصهيونية، بعدما ترجمت شعاراتها إلى صواريخ ومسيرات اخترقت أسطورة 'الدفاع الجوي' الذي عجز عن حماية حلفائه.
أما في اليمن، فقد قدم 'أعداء الإمارات' نموذجاً حياً لانتصار الإرادة على الإمكانيات؛ فالدولة التي ظنت أنها بتمويل الميليشيات وشراء الذمم قادرة على إخضاع الجغرافيا اليمنية، وجدت نفسها غارقة في استنزاف أخلاقي وعسكري. فانتصار اليمنيين وفرضهم معادلة 'حظر الملاحة الصهيونية' في البحر الأحمر مثل صفعة لنموذج 'المال مقابل النفوذ'. لقد خسر المطبعون رهانهم لأنهم اعتمدوا على 'وهم القوة' التي تُشترى بالدولار، بينما انتصر محور المقاومة بـ 'قوة الحق' التي لا تُهزم؛ لتثبت الأيام أن غزة لا تُكرم إلا من صدقها، وأن التاريخ لا يرحم من طعنها في الظهر.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

