قبل تأسيس حزب الله في لبنان
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يحاول العدو الصهيوني، ومعه عملاؤه في لبنان، الترويج لفكرة أن التوتر في الجنوب لم يبدأ إلا مع ظهور حزب الله في منتصف الثمانينيات، وكأن ما سبق ذلك كان مرحلة من الهدوء والاستقرار، لم يشهد فيها لبنان أي اعتداءات أو تدخلات إسرائيلية، غير أن الواقع يدحض هذا التزييف؛ فلبنان، وأهله في الجنوب تحديداً، لم يذوقوا طعم السلام الحقيقي منذ قيام الكيان الغاصب، حيث كانت التدخلات والحروب الصهيونية حاضرة قبل الثمانينيات بسنوات طويلة، خلافاً لما تحاول الماكينة الإعلامية المعادية تسويقه.
ففي مارس 1978، نفذ الكيان أولى عملياته البرية والتي عُرفت إعلامياً باسم "احتلال الليطاني"، وسمّتها تل أبيب بـ"رب الحكمة"، شارك فيها 25000 جندي صهيوني وانتهت باحتلال نحو 1000 كم مربع من الأراضي اللبنانية، وقُتل خلالها نحو ثلاثة آلاف مدني، بعضهم من النازحين الفلسطينيين، كما هُجّر نحو ربع مليون من منازلهم. وتمت العملية الإجرامية بالتعاون مع كتائب مسلحة تحولت لاحقاً إلى ما عُرف باسم "جيش لبنان الجنوبي" أو جيش أنطوان لحد، وشاركت هذه الميليشيات المسيحية في طرد المسلمين من جنوب الليطاني بالقوة، ونفذت إعدامات ميدانية بدوافع طائفية ضد الأهالي والنازحين الفلسطينيين.
ولكن ذلك كان بداية للعدوان البري وحسب، وقبل ذلك نفذ الكيان سلسلة من العمليات الجوية والبحرية داخل لبنان استهدفت مؤسسات حكومية ومناطق مأهولة بالسكان، أبرزها عملية 28 ديسمبر 1968، والتي دمرت مطار بيروت الدولي بالكامل وأحرقت 13 طائرة مدنية في المطار بذريعة الرد على عملية لفدائيين فلسطينيين انطلقوا من بيروت إلى اليونان حيث نفذا عملية فدائية انتهت بقتل مسؤول صهيوني في مطار أثينا.
وفي أبريل عام 1973، شهدت العاصمة بيروت واحدة من أبشع عمليات الاغتيال الصهيونية فيما عُرف بـ"عملية فردان" أو (ربيع الشباب)؛ حيث تسلل كوماندوز إسرائيليون—كان من بينهم إيهود باراك الذي تخفى حينها في زي امرأة—ليغتالوا بدمٍ بارد ثلاثة من أبرز قادة منظمة التحرير الفلسطينية: يوسف النجار، وكمال عدوان، وكمال ناصر، في انتهاكٍ صارخ للسيادة اللبنانية.
واستمرت الاعتداءات على الأهالي عبر الميليشيات المسيحية حتى في فترات التهدئة المعلنة، فقد كان المسيحيون ينفذون دوراً مهماً للقوات الصهيونية على الأرض مهد لاحتلال بيروت في يونيو 1982، وهي الحرب التي عصفت بلبنان وبسيادته وشعبه، باستثناء المسيحيين من أنصار جعجع والجميل وغيرهم ممن استقبلوا الدبابات الإسرائيلية بالورود في بيروت الشرقية. والجدير ذكره أن إسرائيل قد زجت في هذه الحرب بضعف عدد القوات التي واجهت بها مصر وسورية في حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973.
وقبيل غزو بيروت، في أبريل 1981 وأثناء زيارته إلى عدة دول عربية منها السعودية، دعا وزير الخارجية الأمريكي ألكسندر هيغ إلى قيام شرق أوسط جديد يبدأ بغزو لبنان، داعياً أصدقاء الولايات المتحدة إلى "ركوب المخاطر من أجل السلام مع الإسرائيليين باعتباره تعاوناً ضرورياً لردع أي تدخل سوفييتي ولردع الدول العاملة لحسابه". وكان الدعم الأميركي أساسياً في تلك المرحلة لإتمام عملية غزو لبنان في العام الذي تلاها، حيث بدأت إسرائيل بالتحضير الفوري للعملية وانتظرت الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي للاجتياح. وبالفعل، قدم رونالد ريغان، الرئيس الأمريكي وقتها، الغطاء لإسرائيل في هجومها، حيث أعطى للكيان الضوء الأخضر للقيام بعملية تدميرية تكون بمثابة درس قوي لمنظمة التحرير الفلسطينية ولسورية حليفة الاتحاد السوفيتي الشيوعية، حسب وصفه.
وقد نجح الاحتلال في تدمير لبنان، بما في ذلك العاصمة بيروت، وتحويلها إلى مدينة أشباح، ولم ينسحب منها إلا في عام 1985 على وقع ضربات حزب الله الذي تأسس في تلك المرحلة كردة فعل شعبية للدفاع عن لبنان وشعبه وسيادته في وجه العدوان الصهيوني وعملائه من الخونة اللبنانيين، أمثال جعجع وغيره، وهم الوجوه نفسها التي تقف اليوم مع الكيان للأسباب ذاتها، وهي حماية الكيان وتحقيق حلمه في ضم المنطقة ضمن مخطط "إسرائيل الكبرى".
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

