السياسية || محمد محسن الجوهري*


ليس في عقيدة الكيان أدنى إيمان بثقافة السلام، ولو لم يتبقَّ لهم إلا شبر واحد على هذه الأرض لجعلوا منه تهديداً للبشرية وللعرب بالذات، فهم في عقيدتهم يرون أن غيرهم ليسوا من البشر وهم فقط ينفذون حكم الإعدام بحقهم، ومن العار على الإنسانية أن تقبل بهذه العقيدة وهي تعلم خطورتها عليها.

وما رأيناه في لبنان بعد الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين المحور والصهاينة يؤكد على هذه الحقيقة، وأن القتل مستمر من جانبهم ما لم يكن هناك قتال بحقهم. والقاعدة القرآنية وشواهدها على الأرض تؤكد أن السلام في حمى السلاح، وقتالهم حتى يضعوا السلاح وهم صاغرون؛ وهذا هو الحل المنطقي، فهم أولى بنزع السلاح من غيرهم، وفي ذلك رحمة للعرب ولغير العرب، فالله لم يأمر بإبادتهم بل بكسر شوكتهم ومنعهم من إبادة غيرهم، وفي حكم الله رحمة حتى بهم.

إن المتأمل في مسيرة الكيان الصهيوني يجد أن "الغدر بالاتفاقيات هو ركن أساسي في عقيدته السياسية؛ فشواهد نقض العهود تمتد من فجر وجودهم حتى اليوم. ففي فلسطين، شكلت اتفاقيات "أوسلو" أكبر عملية تضليل دولي، حيث استغلها الكيان كغطاء أمني لإطالة أمد الاحتلال ومضاعفة عدد المستوطنين سبع مرات تحت ستار "عملية السلام"، وفي لبنان، لم تكن القرارات الدولية كالقرار 425 أو 1701 إلا حبراً على ورق بالنسبة لهم، إذ استمرت الانتهاكات الجوية والبرية والاغتيالات دون توقف، مما يثبت أن كل عهد يوقعونه هو في حقيقته "استراحة محارب" لإعادة ترتيب الصفوف والانقضاض مجدداً، تنفيذاً لرؤية استعلائية ترى في الالتزام بالمواثيق مع "الأغيار" قيداً يجب التحلل منه.

والكلام ذاته ينطبق على الإمبريالية الأمريكية التي ارتكبت عبر تاريخها أكبر كم من المجازر، وسياستها قائمة على إبادة البشرية وانتهاك كرامتها واستعبادها، وهي بذلك أشد في فكرها وإجرامها من النازية والفاشية وغير ذلك من الأيديولوجيات المتطرفة التي تعرض معتنقوها للتصفية أو الإقصاء بسبب أفكارهم ومعتقداتهم.

فالتاريخ الأمريكي تأسس حرفياً على "خيانة المواثيق"؛ حيث وقعت واشنطن أكثر من 370 معاهدة سلام وصداقة مع قبائل السكان الأصليين (الهنود الحمر)، ولم تحترم معاهدة واحدة منها، بل كانت تستخدمها لتجريدهم من السلاح قبل شن حملات الإبادة والتهجير ضدهم. هذا الإرث الغادر استمر في العصر الحديث من خلال التنصل الفج من الاتفاقيات الدولية الكبرى، كالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي ومن معاهدات الصواريخ والمناخ، مما يؤكد أن الإمبريالية لا تعترف بمرجعية قانونية فوق إرادتها، وأن وعودها ليست سوى شرك للإيقاع بالخصوم واستعباد الشعوب.

بناءً على هذه الحقائق، يصبح الإيمان بجدوى "السلام الورقي" مع هذه المنظومة نوعاً من الوهم الذي يدفع ثمنه الأبرياء من دمائهم وسيادتهم. إن القراءة الواعية للتاريخ والواقع تؤكد أن هؤلاء لا يضعون السلاح إلا إذا كُسرت شوكتهم واستُنزفت قدراتهم على البغي، فالقوة هي الضمانة الوحيدة لفرض الاحترام ومنع الإبادة. وفي نزع أنياب هذا التغول الصهيو-أمريكي رحمة للبشرية، لأنه يضع حداً لسياسة "استباحة الآخر" التي تنتهجها هذه القوى المتطرفة، والتي أثبتت بشواهد الأرض أنها أشد فتكاً وخراباً من كل الأيديولوجيات التي أدانها التاريخ، كونها تمارس الإجرام برداء "الشرعية" وتنقض العهد باسم "الحرية".


* المقال يعبر عن رأي الكاتب