انطفأ صلفُ أمريكا أمام ثبات إيران
مبارك حزام العسالي*
عندما بدأت أمريكا ومعها كَيان الاحتلال الصهيوني، حملتهما العسكرية والسياسية الأخيرة في إبريل 2026 ضد إيران، لم تكن الشعارات المرفوعة تتعلق بـ "حرية الملاحة"، فمن يظن أن فتح مضيق هرمز كان هدفًا استراتيجيًّا بعيد المنال مخطئ تمامًا؛ فالمضيق كان مفتوحًا ومنسابًا قبل انطلاق العدوان على إيران.
الحقيقة التي يحاول البيت الأبيض القفز فوقها هي أن التهديد بإغلاق المضيق لم يظهر إلا كـ رد فعل إيراني على العدوان الأمريكي - الإسرائيلي.
وهنا تكمن الهزيمة السياسية لـ "فن الصفقة"؛ فبدلًا من أن يحقّق ترامب مكاسب إضافية (مثل تفكيك البرنامج النووي أَو تقليص النفوذ الإقليمي لإيران)، انكمشت أهدافه لتصبح مُجَـرّد البحث عن مخرج لفتح ممر مائي كان ترامب نفسه من تسبب في وضعه تحت التهديد.
لم يكن فجر اليوم، الثامن من إبريل 2026، مُجَـرّد موعد لنهاية مهلة زمنية أطلقها ترامب، لقد كان لحظة الحقيقة التي كشفت حدود القوة العظمى أمام معادلات الردع المعقدة.
فبعد أكثر من 40 يومًا من الصراع العسكري الذي وضع العالم على حافة "شتاء نووي" مصغَّر، أعلن البيت الأبيض قبول هدنة لمدة أسبوعين، في خطوة وصفت بأنها تراجع دراماتيكي ينهي حلم واشنطن في فرض "نظام جديد" على المنطقة بالقوة.
سقف المطالب: من "تفكيك بوشهر" إلى "فتح المفتوح"
بدأت الأزمة في فبراير 2026 باستراتيجية أمريكية أطلق عليها "الردع الخشن"، حَيثُ حشد ترامب "الأرمادا الكبيرة" (أساطيل ضخمة)؛ بهَدفِ معلَن وهو تفكيك برنامج إيران الصاروخي، وشل قدراتها النووية، وفرض "صفقة شاملة" تنهي نفوذها الإقليمي.
إلا أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الأهداف الأمريكية تقلصت تدريجيًّا مع تصاعد المواجهة حتى وصلت إلى استجداء مرور آمن من مضيق هرمز.
فبينما هدّد ترامب في منشوره الشهير يوم الأحد، الماضي بـ "يوم الجحيم" الذي سيستهدف محطات الطاقة والجسور والمفاعلات، وكذلك منشوره بالأمس الذي هدّد فيه بالقضاء على حضارة كاملة، انتهى به المطاف فجر اليوم بقبول "السماح بالمرور الآمن في مضيق هرمز" كإنجاز وحيد.
والحقيقة المرة لواشنطن هي أن المضيق كان مفتوحًا ومنسابًا قبل الحرب، ولم يُغلق إلا كإجراء دفاعي إيراني ردًّا على التحشيد والضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت إيران وقياداتها ومدنييها وأطفالها في المدارس ومنشآتها.
العجز الدولي: فشل "المشروع البحريني" وسقوط الرهان على مجلس الأمن
بالتوازي مع الحرب، كانت أروقة الأمم المتحدة تشهد معركة دبلوماسية لا تقل ضراوة، انتهت بإعلان فشل مجلس الأمن في تبني مشروع القرار الذي تقدمت به "البحرين" (بإيعاز ودعم أمريكي-غربي).
كان القرار يهدف إلى فرض "وصاية دولية" على مضيق هرمز وشرعنة التدخل العسكري تحت غطاء حماية الملاحة، مع إدانة أحادية للتحَرّكات الإيرانية.
إلا أن "الفيتو" المزدوج (الروسي-الصيني) أجهض المحاولة البحرينية، معتبرين إياها انحيازا كاملًا يمنح واشنطن صكًا بياضًا لتدمير المنطقة.
هذا الفشل الدبلوماسي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير الأمريكي؛ فبعد سقوط الشرعية الدولية للحرب، وجد ترامب نفسه مضطرًا لخوض مغامرة منفردة ومكلفة، أَو التراجع تحت غطاء "الهدنة"، وهو ما حدث فجر اليوم.
الميدان يتحدث: بوشهر "الخط الأحمر" القاتل
خلال الأسابيع الماضية، تعرض محيط مفاعل بوشهر لأربع ضربات جوية متلاحقة، مما دفع روسيا لإجلاء 198 من موظفيها وسط تحذيرات دولية من كارثة بيئية.
كان الرد الإيراني "متناظرًا" وشرسًا؛ حَيثُ تم استهداف منشآت طاقة ومطارات في خمس دول خليجية بأكثر من 5600 صاروخ وطائرة مسيرة، مما أَدَّى إلى شلل جزئي في أمن الطاقة العالمي ورفع أسعار النفط لمستويات قياسية.
هذا الضغط الميداني، بالإضافة إلى عملية إنقاذ الطيار الأمريكي فوق الأراضي الإيرانية -والتي تسببت في محرقة للطائرات الأمريكية، وأشاد بها ترامب لاحقًا لتغطية حجم المخاطرة- أثبت لواشنطن أن كلفة المضي قدمًا في "يوم الثلاثاء، الكبير" ستكون دمارًا شاملًا لمصالحها ومصالح حلفائها.
الوساطة الباكستانية و"فن الانسحاب"
جاء المخرج عبر مقترح قدمته باكستان بدعم صيني يتضمن قبول شروط إيران العشرة، وهو ما التقطه ترامب فجر اليوم ليعلن "تحقيق جميع الأهداف العسكرية".
لكن التدقيق في بنود الهدنة يكشف أن إيران لم تتراجع عن شروطها العشرة ولم تتنازل عن ثوابتها؛ فهي لم تفكك مفاعلًا ولم تسلم صاروخًا، بل اكتفت بمنح "مرور آمن" مؤقت للسفن، مقابل وقف الأعمال العدائية وحماية منشآتها من القصف وتنفيذ شروطها.
الدروس المستفادة: تآكل الردع الأمريكي
تثبت أحداث الليلة الماضية أن استراتيجية "حافة الهاوية" التي يتقنها ترامب قد اصطدمت بجدار صلب.
فالتراجع عن التهديد بـ "إعادة إيران للعصر الحجري" وقبول التفاوض على أَسَاس "المقترح الإيراني" يمثل:
• فشلًا استراتيجيًا: لأن الحرب انتهت بالعودة إلى حالة الملاحة التي كانت قائمة أصلًا، مع بقاء مسببات الصراع النووي كما هي.
• انتصارًا للصمود: حَيثُ نجحت طهران في حماية بوشهر وفرضت معادلة "الأمن للجميع أَو لا أمن لأحد".
• تراجعًا للهيمنة: قبول ترامب بالوساطة الباكستانية-الصينية وشروط إيران العشرة يعكس تراجع الدور المنفرد للولايات المتحدة في إدارة أزمات الشرق الأوسط.
لقد أدركت القوة العظمى أن "جحيمها" الموعود سيحرق الجميع دون استثناء.
وبينما يحاول ترامب تسويق التراجع كـ "فن للصفقة"، يدرك المراقبون أن المنتصر هو من أجبر خصمه على خفض سقف طموحاته من "تغيير الأنظمة" إلى مُجَـرّد البحث عن "ممر آمن" في بحر لم يعد ملكًا لواشنطن وحدها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت

