شكراً إيران
السياسية || محمد محسن الجوهري*
نحن كعرب علينا أن نقدم الشكر للجمهورية الإسلامية في إيران على الكثير من المواقف العظيمة التي قدمتها ولا تزال تقدمها لنا، وأولها أنها حفظت ماء وجه الأمة في وقتٍ هرول فيه البعض نحو التطبيع، فلولا إيران لربما وُئدت القضية الفلسطينية يوم ظن السادات أنه أطلق عليها رصاصة الرحمة بتوقيعه اتفاقية "كامب ديفيد" سنة 1978. وفعلاً، كانت القضية الفلسطينية على وشك التلاشي لولا سُنَّة "الاستبدال" الإلهي التي هيأت إيران لحماية المقدسات العربية وصون ما تبقى من الكرامة التي يستبيحها الصهاينة بدمٍ بارد منذ نحو سبعة عقود.
ولم تثنِ إيران الهجمةُ الشرسة التي تعرضت لها عن مناصرة المظلومين في فلسطين ولبنان، وكان الأجدر بالعرب أن يقفوا إلى جانب الجمهورية الإسلامية لتحرير فلسطين والنيل من العدو التاريخي للأمة، لكن الكارثة أن البعض سقط في فخ "الحرب الناعمة" قبل الحرب الصلبة، وباتوا يرددون الترهات الإسرائيلية في إعلامهم حتى وصلوا إلى مستويات من "التصهين" لم يكن يحلم بها العدو نفسه.
أما الفاتورة التي دفعتها طهران ثمن مواقفها فكبيرة جداً؛ فمنذ عام 1979، لم تتوقف عجلة العقوبات الدولية والحصار الممنهج، فضلاً عن تجميد أرصدة سيادية تقدر بمليارات الدولارات في المصارف العالمية، بالتوازي مع حملات تشويه إعلامي استهدفت عزلها دولياً. وتؤكد القراءات التحليلية للمشهد أن طهران كان بإمكانها تجنب هذا المسار الوعر عبر تبني سياسة "الارتزاق السياسي" والانسحاب من ملفات المنطقة، وهو خيار كان كفيلاً بفتح أبواب الاستثمارات الغربية وضمان الرضا الأمريكي المطلق.
وتشير شهادات لمسؤولين مطلعين على كواليس الدبلوماسية الإيرانية إلى وجود "عروض خيالية" كانت تُقدم بانتظام خلف الأبواب المغلقة، تهدف إلى مقايضة التخلي عن الحلفاء العرب بامتيازات سياسية واقتصادية كبرى تعيد دمج إيران في النظام المالي العالمي. ومع ذلك، فإن دوائر صنع القرار ظلت متمسكة برفض هذه المساومات، انطلاقاً من الرؤية الأيديولوجية التي أرستها الثورة، والتي تصنف القضية الفلسطينية كأولوية شرعية ومقدسة لا تخضع لمنطق الربح والخسارة المادي، بل تُعد ركيزة أساسية في هوية الدولة الخارجية.
وفي المشهد الحالي، تبرز غزة كمثال حي؛ فرغم الضغوط الدولية لفك الارتباط بالمقاومة الفلسطينية، تؤكد قيادات المقاومة باستمرار على أهمية الدعم الإيراني المادي والمعنوي الذي لم ينقطع، في وقت تعاني فيه بعض القوى الإقليمية من "وهن سياسي" يمنعها من اتخاذ مواقف تتجاوز بيانات الاستنكار والشجب التقليدية.
والأهم من ذلك كله، أن القوة الإيرانية المتنامية من صواريخ ومسيرات وغيرها، كانت في خدمة قضايا المنطقة وتحريرها من التبعية التي فرضت نفسها بالقوة، وجعلت من بعض المناطق قواعد خلفية لحماية الكيان الصهيوني مادياً وعسكرياً. إن التحركات الإيرانية اليوم تأتي في إطار إضعاف الهيمنة الأجنبية على المنطقة، ومن شأنها أن تسهم في تحرر الشعوب العربية جميعاً من ربق التبعية، وفي مقدمتها تلك الشعوب التي تتطلع لاستعادة سيادتها وحقوقها كقوة فاعلة في المنطقة.
وسيذكر التاريخ أن إيران وقفت لوحدها في خندق الكرامة العربية يوم تخلى عنها أبناؤها وأن الصمود الإيراني في وجه الإغراءات الدولية والضغوط الاقتصادية المزلزلة انما هو تجسيد لإرادةٍ تأبى الانكسار أمام مشاريع الهيمنة. وفي نهاية المطاف، سيُدرك الجميع أن القوة التي تراكمها طهران كانت الجدار الأخير الذي استندت إليه القضية الفلسطينية حين عزّ النصير، والشرارة التي ستحرر الوعي العربي من أوهام التبعية ليعود سيداً في أرضه، متمسكاً بسيادته وحقوقه التاريخية التي لا تقبل التفاوض.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

