"فورين بوليسي": كيف يمكن للحرب على إيران أن تعزز هيمنة الصين على قطاع الطاقة؟
السياسية – متابعات :
مجلة "فورين بوليسي" الأميركية تتحدث عن أن الحرب والاضطرابات في أسواق الطاقة قد تبدو تهديداً للصين بوصفها أكبر مستورد للنفط والغاز، لكنها قد تتحول على المدى البعيد إلى فرصة تعزز موقعها الاستراتيجي بفضل تحولها المبكر نحو الكهرباء وسيطرتها على سلاسل إمداد تقنيات الطاقة النظيفة.
فيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
تبدو الصين، بوصفها أكبر مستورد للنفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، الأكثر عرضةً للخطر والأكثر احتمالاً للتضرر من هذه الصدمة. لكن من الخطأ افتراض أن الصين ستكون الخاسر الأكبر في هذه الحرب. فغالباً ما تُعيد الأزمات تشكيل الجغرافيا السياسية للطاقة بطرق غير متوقعة. وقد تُعزز هذه الأزمة في نهاية المطاف، بدلاً من أن تُضعف، الموقف الاستراتيجي للصين.
خلال الأسبوع الأول من الحرب، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 25%، وقد تصل إلى مستويات قياسية إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً. أما أسعار البنزين في الولايات المتحدة فهي الآن عند أعلى مستوياتها خلال فترتي رئاسة دونالد ترامب، ومن المرجح أن ترتفع أكثر. وقد حدث هذا الارتفاع رغم بقاء معظم منشآت الإنتاج الرئيسية في الخليج سليمة.
تبدو الصين في وضع شديد الهشاشة. إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب نصف وارداتها من النفط الخام وثلث وارداتها من الغاز الطبيعي المسال. ونظراً لخطورة الوضع، سارعت وزارة الخارجية الصينية إلى الدعوة لوقف الأعمال العدائية وضمان مرور آمن عبر المضيق من جميع الأطراف. ولهذا السبب، يرى بعض المحللين أن بكين هي الخاسر الأكبر على الأرجح من ضربة ترامب على إيران.
ومع ذلك، على المدى الطويل، هناك ثلاثة أسباب على الأقل قد تجعل الصين تبرز كمستفيد مفاجئ.
أولاً، اتبعت بكين لأكثر من عقدين استراتيجية لأمن الطاقة مصممة خصيصاً لمثل هذه اللحظات. ويتمحور جوهرها حول الكهرباء: تحويل جزء أكبر من الاقتصاد بعيداً عن الاستهلاك المباشر للنفط والغاز، وبالتالي تقليل التعرض لتقلبات أسواق النفط والغاز المعرضة للاضطرابات الجيوسياسية.
يُشكّل استهلاك الكهرباء حاليًا أكثر من 30% من إجمالي استهلاك الطاقة في الصين، مقارنةً بأكثر من 20% بقليل على مستوى العالم. وتُعدّ أكثر من نصف السيارات المباعة في الصين كهربائية، نتيجةً لسياسات مدروسة تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وخفض الانبعاثات على حدٍ سواء. وتُشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين قد تجنّبت نمواً في الطلب على النفط بمقدار 1.2 مليون برميل يومياً منذ عام 2019، وتتوقع الآن أن يبلغ الطلب الصيني على النفط ذروته في عام 2027، أي قبل عامين مما كان متوقعاً سابقاً.
سعت بكين جاهدةً لتوليد أكبر قدر ممكن من الكهرباء من مصادر محلية. يهيمن الفحم والطاقة المتجددة على مزيج الطاقة، بينما لُبّيَت جميع الزيادة في الطلب على الكهرباء تقريباً في عام 2024 من مصادر نظيفة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. ويقع نصف المفاعلات النووية قيد الإنشاء في العالم في الصين. ورغم استيراد البلاد للغاز الطبيعي، فإن نسبة ضئيلة منه فقط تُستخدم لتوليد الطاقة. وفي حال انقطاع إمدادات الغاز الطبيعي المسال لفترات طويلة، يمكن للصين الاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المحلية، كالفحم، لسدّ النقص.
لا شك أن الصين ستشعر بآثار صدمة النفط العالمية. لكن سعيها نحو التحول إلى دولة رائدة في مجال الطاقة - بدلاً من مضاعفة إنتاج النفط الخام - قد قلل من تعرضها لهذه الآثار.
قامت الصين أيضاً ببناء مخزونات احتياطية. فبحسب كايروس، تمتلك الصين نحو 1.4 مليار برميل في مخازن استراتيجية وتجارية، ما يكفي لتغطية وارداتها لمدة 120 يوماً عند مستوى عام 2025.
ثانياً، قد تؤدي الأزمة إلى تغيير كيفية تقييم الدول الأخرى للمفاضلات المتعلقة بأمن الطاقة.
في عالم تتزايد فيه استخدامات الطاقة كسلاح، يسعى العديد من المستوردين إلى تقليل تعرضهم لتقلبات أسواق النفط والغاز من خلال التحول إلى الكهرباء. إلا أن التحول إلى الكهرباء يُضيف نقطة ضعف أخرى: الاعتماد على الصين في تقنيات الطاقة النظيفة.
ترافقت جهود الصين الحثيثة في مجال الكهرباء مع مساعيها الحثيثة للسيطرة على سلاسل إمداد الطاقة النظيفة. فهي تستحوذ على أكثر من 80% من الطاقة الإنتاجية العالمية لتصنيع الطاقة الشمسية، وتوربينات الرياح، والبطاريات، كما أنها تُعالج الغالبية العظمى من المعادن الأساسية اللازمة لهذه التقنيات.
وقد أدى هذا الواقع إلى كبح الطموح في أماكن أخرى. فأوروبا، على سبيل المثال، تطمح إلى أن تصبح دولة رائدة في مجال الطاقة النظيفة لأسباب تتعلق بالمناخ والأمن. ومع ذلك يتردد القادة الأوروبيون في استبدال الاعتماد على واردات المحروقات بالاعتماد على سلاسل التوريد الصينية للتكنولوجيا النظيفة.
قد يُغيّر هذا الصراع جزئياً تلك الحسابات. فالاعتماد على الصين ينطوي على مخاطر. لكن موثوقية موردي الهيدروكربونات التقليديين تبدو أقل يقيناً مما كانت عليه قبل بضع سنوات.
حتى منطقة الخليج، التي لطالما كانت ركيزة أساسية لاستقرار الإمدادات العالمية، تبدو الآن أكثر عرضة للخطر.
لسنوات طويلة، كان إغلاق مضيق هرمز بمثابة كابوس لم يتحقق قط. ولكن إذا ظل المضيق مغلقاً إلى حد كبير أمام حركة ناقلات النفط، فقد تبدأ الدول المستوردة في إعادة تقييم مخاطرة طالما اعتُبرت نظرية. في هذا السياق، قد يبدو الاعتماد على الصين في مكونات الكهرباء والتكنولوجيا النظيفة أقل عبئاً استراتيجياً وأكثر خياراً قابلاً للإدارة.
ثالثاً، وبشكل أعم، من خلال إثارة هذه الأزمة دون استشارة حلفائها، تُخاطر واشنطن بتعزيز الانطباع بأن الولايات المتحدة هي المصدر الأكبر للتقلبات الجيوسياسية اليوم. في المقابل، تسعى الصين إلى تقديم نفسها كشريك تجاري أكثر استقراراً. وستكون النتيجة ميلاً متزايداً نحو التحوط بين حلفاء الولايات المتحدة التقليديين. ويتجلى هذا في قرار كندا تخفيف القيود المفروضة على عدد محدود من السيارات الكهربائية الصينية، وزيارات القادة الأوروبيين إلى بكين لتعميق التعاون في مجال الطاقة النظيفة.
تكشف الصدمة المباشرة لهذه الأزمة عن اعتماد الصين على النفط والغاز في الشرق الأوسط. لكنها تؤكد أيضاً كيف سعت بكين عمداً إلى الاستعداد لعالم لا ينفصل فيه أمن الطاقة عن الجغرافيا السياسية، وذلك من خلال كهربة اقتصادها، وتأمين مصادر الطاقة المحلية، وتكديس المخزونات، والسيطرة على سلاسل إمداد التكنولوجيا النظيفة.
إذا استمر تراجع الثقة في طرق التجارة العالمية للنفط والغاز بالتزامن مع تسارع وتيرة التحول إلى الكهرباء، فقد تُذكر هذه الأزمة كلحظة محورية في التحول نحو عصر الكهرباء. وفي هذا العصر الجديد، تصل الصين إلى طاولة المفاوضات بميزة كبيرة ومتنامية.
* نقله إلى العربية: الميادين نت
* المادة الصحفية تم نقلها حرفيا من الميادين نت

