كل ما أريده أن أحتضن بناتي.. صرخة أم تصارع السرطان في غزة
خانيونس - السياســـية:
في خيمةٍ مهترئة بمواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، تنام الرضيعة "روح" إلى جوار والدتها أسماء مقداد، لكن القرب بين الجسدين لا يلغي المسافة التي صنعها المرض بين القلبين.
فالأم الشابة التي أنهكها السرطان لا تستطيع احتضان طفلتها كما تتمنى، ولا تملك من أمومتها اليوم سوى نظراتٍ مثقلة بالألم تلاحق بها رضيعتها التي لم تعرف بعد معنى أن تكون في حضن أمها.
تعيش أسماء مقداد (25 عامًا) واحدة من أقسى الحكايات الإنسانية في قطاع غزة. فبينما كان نزوح عائلتها وفقدان منزلها ومصدر رزقها كافيًا لإثقال كاهلها، جاءت صدمة الإصابة بسرطان الثدي خلال حملها الثالث لتضيف فصلًا جديدًا من المعاناة.
بدأت القصة في الشهر الثاني من الحمل، عندما ظهرت أعراض غير مألوفة دفعتها لإجراء الفحوصات الطبية، لتكشف النتائج عن إصابتها بالمرحلة الثانية من سرطان الثدي.
ومنذ تلك اللحظة، دخلت في رحلة علاج شاقة بين الانتظار الإجباري حتى مراحل متقدمة من الحمل، والعمليات الجراحية المتتالية التي انتهت بولادة مبكرة واستئصال كامل للثدي.
لكن المرض لم يتوقف عند ذلك الحد. فالفحوصات اللاحقة أظهرت انتشار الخلايا السرطانية إلى العقد الليمفاوية وأعصاب اليد، ما استدعى عملية أخرى تركتها عاجزة عن استخدام يدها بصورة طبيعية.
تقول أسماء بصوتٍ يختلط فيه التعب بالحسرة لـ صحيفة (فلسطين): "أصبحت لا أستطيع رفع أي شيء إلا بصعوبة كبيرة، وكأن جسدي ينهار قطعةً قطعة".
ومع كل جرعة علاج كيماوي، تزداد المعركة قسوة. فالأدوية التي يفترض أن تمنحها فرصة للنجاة تتركها طريحة الفراش لأيام طويلة، تعاني من الهزال والاستفراغ والآلام الحادة، فيما تبقى مسؤولية رعاية بناتها الثلاث أكبر من قدرتها الجسدية على الاحتمال.
الأصعب بالنسبة لها ليس المرض نفسه، بل شعورها بالعجز أمام طفلاتها؛ نجاح (4 سنوات)، وجود (3 سنوات)، ورضيعتها "روح" ذات الأشهر التسعة. تقول: "بعد كل جرعة كيماوي أبقى عاجزة عن الحركة لأسبوعين كاملين، ولا أستطيع أن أكون الأم التي تحتاجها بناتي".
وتزداد معاناتها في ظل الانهيار شبه الكامل للقطاع الصحي في غزة. فبحسب مقداد، تفتقر المستشفيات إلى العديد من الفحوصات والعلاجات المتخصصة اللازمة لمرضى السرطان، فيما لا يزال حلم العلاج خارج القطاع معلقًا رغم حصولها على تحويلة طبية عاجلة منذ أكثر من عام.
ورغم أن منظمة الصحة العالمية أبلغتها سابقًا بضرورة الاستعداد للسفر لتلقي العلاج، فإن الإجراءات توقفت دون أن تغادر غزة، بينما تتدهور حالتها الصحية يومًا بعد يوم.
وفي خيمة النزوح، حيث توقف زوجها عن العمل ليتفرغ لرعاية الأسرة بعد أن كانا يديران مشروعًا صغيرًا لصناعة الخبز، تتراكم الأعباء المعيشية فوق أوجاع المرض. فطفلتها الرضيعة تحتاج إلى الحليب والحفاضات، وهي تحتاج إلى غذاء وعلاج ورعاية صحية، بينما يواصل الزوج أداء دور الأب والأم معًا في محاولة لحماية أسرته من الانهيار.
وتختصر أسماء كل معاناتها بجملة واحدة تحمل وجع أمٍّ تخشى أن يسرقها المرض من بناتها: "لا أريد أكثر من حقي في العلاج.. أريد أن أعيش لأعود وأحتضن بناتي، وخاصة روح".
وبين أمٍ أنهكها السرطان وطفلةٍ لم تعرف دفء حضن والدتها كما ينبغي، تبقى حكاية أسماء مقداد شاهدًا على معاناة مضاعفة يعيشها مرضى غزة؛ حربٌ صهيونية حرمتهم من الأمان، ومرضٌ يهدد حياتهم، وعلاجٌ ما زال ينتظر خلف أبواب مغلقة، فيما يمضي الوقت أثقل من أي وجع.

