عبد الفتاح السيسي.. كما طار سيقع
السياسية || محمد محسن الجوهري*
نعلم جميعاً كيف وصل الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سدة السلطة في عام 2013؛ إذ استغل آنذاك دعوات الرئيس الأسبق محمد مرسي للقتال في سورية. فقد أراد مرسي ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين الزج بالجيش المصري في آتون الحرب السورية، في خطوة بدا أنها مدروسة وممنهجة لإضعاف المؤسسة العسكرية وإنهاكها، على غرار ما جرى للجيش الوطني في سورية من تدمير وتفكيك.
غير أن يقظة القوات المسلحة المصرية، بقيادة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، شكلت نقطة تحول حاسمة؛ حيث جاء رده حازماً على تصريحات مرسي قائلاً: "من أراد القتال في سورية فليرسل أبناءه". هذا الموقف كان السبب المباشر في صعود نجم السيسي واكتسابه شعبية واسعة في أوساط الشارع المصري منذ ذلك الحين، وهي الشعبية التي مهدت له الطريق لاحقاً للوصول إلى رئاسة الجمهورية، لا سيما وأن العقيدة العسكرية الراسخة للجيش المصري تحظر القتال خارج الحدود وتعتبره تناقضاً مع مبادئه الأساسية.
لكن الأيام دارت، وها هو عبد الفتاح السيسي يقع في الخطأ ذاته؛ إذ يعلن عن توريط الجيش المصري في نزاعات عسكرية خارج حدوده الوطنية، والقتال إلى جانب تحالفات تقودها السعودية التي تمثل في نظر الكثيرين رأس الحربة الفكري للتطرف والتشدد في المنطقة. وتزداد المعضلة تعقيداً مع انخراط أطراف يمنية محسوبة على جماعة الإخوان في هذه الحرب إلى جانب المحور السعودي، مما يضع الجيش المصري في مفارقة تاريخية؛ حيث يقاتل جنباً إلى جنب مع الإخوان، الذين يمثلون العدو اللدود للمؤسسة العسكرية المصرية.
هذا الانزلاق سيفرز دون شك خسائر استراتيجية فادحة وولاءات مزدوجة ستلقي بظلالها على تماسك الجيش، على غرار خيانات الإخوان السابقة التي أضرت بالأمن القومي المصري عقب الأزمة الخليجية مع قطر.
إن السيسي الذي استثمر تاريخياً "سقطة" محمد مرسي الاستراتيجية -والتي لم تكن مجرد هفوة بل مخططاً لضرب الجيش- يعيد اليوم استنساخ الخطأ نفسه، ويرتكب الحماقة ذاتها. ولن يكون بمستغربٍ أن تثير هذه التوجهات ردود فعل داخل المؤسسة العسكرية؛ إذ يمثل هذا التحول ثغرة استراتيجية قد تعصف بنظام عبد الفتاح السيسي بالكامل. وبهذه الطريقة، يبدو أن مشهد السقوط سيتطابق تماماً مع مشهد الصعود؛ فكما طار عبد الفتاح السيسي بالجيش.. سيسقط به.
إن السير في هذا النهج يمثل ثغرة استراتيجية قد تعصف بنظام عبد الفتاح السيسي بالكامل. فالشعوب والمؤسسات العسكرية لا تغفر طويلاً نقض العهود وتبديل العقائد القتالية من أجل تسوية الاختلالات المالية الهيكلية الناتجة عن سوء الإدارة الاقتصادية. وإذا ما استمر صانع القرار في القاهرة في تجاهل دروس التاريخ ومآلات البشير وتجارب الستينيات، فإن مشهد السقوط سيتطابق تماماً مع مشهد الصعود؛ وكما طار عبد الفتاح السيسي بالجيش ممتطياً صهوة حمايته.. سيسقط به عندما يقرر المقامرة به خارج الحدود.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

