السياسية - وكالات:



دعا وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، اليوم الاثنين، دول الخليج إلى تحمّل المسؤولية الجماعية عن أمنها، من خلال إطلاق حوار إقليمي جديد يضم الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلى جانب العراق وإيران.

وأكد البوسعيدي، في محاضرة ألقاها في جامعة كامبردج البريطانية، نقل مضمونها موقع وزارة الخارجية العمانية، اطلعت عليها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)؛ أن هذا الحوار يهدف لإرساء منظومة أمنية إقليمية شاملة تقوم على التعاون والثقة المتبادلة، دون استبعاد أي طرف.

ولفت إلى أن استبعاد إيران من الترتيبات الأمنية الإقليمية على مدى عقود خلّف تداعيات سلبية عميقة على المنطقة بأسرها، مشيراً إلى أن أي منظومة أمنية للخليج لا تشمل الدول الثماني جميعها ستكون بطبيعتها غير مستقرة.

وشدد على أن مسؤولية وضع ترتيبات الأمن الإقليمي وتطويرها وتنفيذها ينبغي أن تقع في المقام الأول على عاتق دول الخليج نفسها، مؤكداً أن استمرار القوى الخارجية في تحديد مسارات التعامل مع قضايا المنطقة يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى تسويتها.

وأوضح البوسعيدي أن ما شهدته المنطقة من نزاعات وتوترات خلال العقود الماضية، وما أفرزته التطورات الأخيرة من تحديات، يؤكد الحاجة إلى إعادة النظر في المقاربات الأمنية القائمة، مشيراً إلى أن أمن سلطنة عُمان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن محيطها الإقليمي، رغم ما تتمتع به من علاقات سلمية مع جميع جيرانها.

ورفض التصور القائم على وجود عداء جوهري بين إيران والدول العربية الخليجية، مشيراً إلى ما يجمع العرب والفرس من تاريخ طويل من التعايش السلمي.

وأكد وزير الخارجية العُماني أن الخلافات القائمة لا ينبغي أن تحول دون بناء منظومة أمنية تشمل جميع دول الخليج.

وتطرق إلى الجهود الدبلوماسية التي بذلتها سلطنة عُمان لتيسير المباحثات بين إيران والولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، والمشاورات التي أجرتها مع إيران حول ترتيبات ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأشار إلى أن المقومات الأساسية للتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي لاتزال قائمة، رغم الصعوبات التي تعترض العودة إلى المفاوضات.

وقال إن التحديات التي تواجه هذين المسارين تعكس أوجه القصور في الترتيبات الأمنية الإقليمية، نتيجة الاعتماد طويل الأمد على القوى الخارجية، وعدم تمكّن دول المنطقة من التوصل إلى توافق جماعي بشأن أمنها.

واستذكر الاجتماع الذي استضافته مسقط في نوفمبر 1976، وجمع وزراء خارجية الدول الخليجية الثماني بهدف العمل على إقامة ترتيبات للأمن الإقليمي الجماعي، مشيراً إلى أن التحولات والأحداث التي شهدتها المنطقة في السنوات اللاحقة حالت دون تحقيق ذلك الطموح.

ودعا البوسعيدي إلى إحياء روح تلك المبادرة التاريخية وإعادة جمع الدول الثماني حول طاولة واحدة، قائلاً إنه "يمكن إعادة عقد الاجتماع"، مؤكداً ضرورة أن يتضمن جدول أعماله معالجة القضايا الملحّة، وفي مقدمتها التوصل إلى فهم مشترك بشأن ترتيبات الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز.

وطرح الوزير العُماني إبرام ميثاق لعدم الاعتداء بين الدول الثمان هدفاً رئيسياً للحوار الإقليمي المقترح، بوصفه شرطاً أساسياً لإقامة منظومة أمنية إقليمية شاملة، تقودها دول المنطقة وتستند إلى توافقها على مسؤولياتها ومصالحها الأمنية المشتركة.

وأقرّ بأن تحقيق هذا الهدف لن يكون سهلاً في ظل ما تراكم من أسباب تاريخية وحديثة للشكوك وانعدام الثقة، لكنه أشار إلى تنامي الإدراك المشترك بأن أي مسار مستقبلي لأمن الخليج لا بد أن يشمل الدول الثماني جميعها، وألا يظل معتمداً على تعاون الشركاء الخارجيين.

واعتبر أن تعزيز المسؤولية الإقليمية عن الأمن لا يعني التخلي عن الشراكات القائمة مع الدول من خارج المنطقة، وإنما إعادة تحديد دورها بحيث لا تبقى العنصر الرئيسي في المنظومة الأمنية الخليجية.

وأعرب عن أمله في أن تتجه هذه الشراكات بصورة متزايدة نحو التعاون الاقتصادي والاستثمار في مستقبل الخليج بدوله الثماني، بدلاً من استمرار تركيزها على الالتزامات العسكرية والأمنية.

ورحّب بالأفكار والرؤى الجديدة التي تتبلور لدى نظرائه في دول الخليج، معرباً عن تطلعه إلى مواصلة الحوار بما يحقق مصالح دول المنطقة وشعوبها.

واختتم البوسعيدي، محاضرته بالتأكيد على ضرورة المبادرة إلى اتخاذ الخطوات الأولى نحو هذا الحوار، رغم ما يحيط بالمنطقة من تحديات، قائلاً: "إذا نهضت دول الخليج بمسؤولياتها، فإن تحقيق الأمن الإقليمي الشامل، الذي شكّل رؤية عام 1976، سيصبح ممكناً".