سند الصيادي*


جاء خطاب السابع من أكتوبر لقائد الثورة، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي _يحفظه الله_ كإعلانٍ استراتيجي يُسقط ما تبقى من أوهام "المساحات الرمادية" في المنطقة، حاملاً حقيقة تحاشى النظام الإقليمي مواجهتها: أن معركة «طوفان الأقصى» أطلقت مسار "الفرز الحتمي" بين محور يقدّم دماء قادته في سبيل قضية الأمة، ومنظومة تابعة اصطفت كلياً خلف المشروع الأمريكي الصهيوني.


كما وضع الخطاب اليد على الحقيقة التي عرّتها أحداث العامين الماضيين، مفككاً زيف الأقنعة الغربية؛ فالغرب لم يكتفِ بإسناد الكيان الصهيوني، بل انخرط كشريك مباشر في الإبادة والتجويع بحق أهل غزة.

ومع سقوط شعارات "حقوق الإنسان" والقوانين الدولية، تجلت المنظومة الغربية كتركيبة متوحشة تدير القتل وتغطي جرائم الحرب؛ ما حسم عبثية الرهان على المؤسسات الدولية، لتغدو القوة وحدها اللغة القادرة على صياغة المعادلات وفرض التراجع على مشاريع الهيمنة.

وعلى الصعيد الإقليمي، قدّم الخطاب تشريحاً تاريخياً للدور السعودي؛ فالنظام في الرياض، بنشأته وتكوينه الوظيفي منذ الحقبة البريطانية، لم يكن يوماً سنداً لقضايا الأمة العادلة، بل كان خنجراً يُطعن به الجسد العربي والإسلامي من الخلف.

والشواهد التي استعرضها الخطاب أسقطت آخر أوراق ادعاء "الريادة الدينية"؛ فبينما كانت غزة تُباد وتُحرم من مقومات الحياة، كان الإعلام السعودي يتبنى الرواية الصهيونية ويصنف فصائل المقاومة بالإرهاب، في وقت فُتحت فيه الأجواء السعودية لطائرات العدو بينما حظرتها دول أخرى كسلطنة عمان.

وبلغ التورط العملياتي مستويات غير مسبوقة بامتلاك صنعاء أدلة قاطعة على استضافة ضباط صهاينة في قواعد حدودية سعودية للقيام بطلعات استطلاعية فوق المحافظات اليمنية، فضلاً عن تطابق إحداثيات خلايا التجسس المرتبطة بالرياض مع بنك أهداف الغارات الأمريكية والإسرائيلية.

ونسف خطاب السيد القائد اليوم المزاعم التي طالما وظفت "المقدس" لتبرير العدوان، مفنداً بهتان استهداف الحرمين الشريفين، ومذكّراً باعترافات ولي العهد السعودي الصريحة بشأن نشر الفكر التكفيري بأوامر غربية خدمةً لمصالح واشنطن.

وما بين التوظيف النفعي للدين والعداء التاريخي لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، باتت الرياض جزءاً عضوياً من غرفة العمليات المشتركة الساعية لفرض مشروع "إسرائيل الكبرى" وتصفية قضايا الأمة.

وبعبارة: «وصلنا مع العدو السعودي إلى يأس، فلا مفاوضات أجدت ولا غيرها»؛ حسم السيد القائد الموقف من مسار التفاوض، ونعى رسمياً حقبة طويلة من المماطلة والتمييع مارستها الرياض منذ عام 2022م، كاشفاً استغلالها لفترة "خفض التصعيد" لإعادة التموضع والاصطفاف التام مع الأجندة الأمريكية والإسرائيلية ضد اليمن ومحور المقاومة، واستمرارها في العدوان عبر شن أكثر من 1642 غارة وقصفاً صاروخياً طال البنى التحتية والإصلاحيات خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة وحدها.

والأخطر من ذلك هو استمرار الحرب الاقتصادية الشاملة بحرمان الشعب اليمني من ثرواته النفطية والغازية وتوريد عائداتها للبنك الأهلي السعودي، ما تسبب في حرمان أكثر من مليون موظف من مرتباتهم، وفرض حصار صحي ومعيشي أودى بحياة مليون وأربعمائة ألف مريض.

وهنا، رسم الخطاب خطاً أحمر فاصلاً: اليمن، بتاريخه الحضاري وجغرافيته الاستراتيجية، لن يقبل بأن يُدار كملحق تابع لوزارة المالية السعودية، ولن يرضى بأن تظل مطاراته وموانئه مرهونة برضا واشنطن وتل أبيب والرياض.

وبموازاة نعي الدبلوماسية المخادعة، ثبّت الخطاب موقع اليمن كقوة ردع إقليمية رسختها العمليات البحرية وقوافل الشهداء، ليضع المنطقة أمام معادلات جديدة لا تقبل المساومة؛ تتصدرها نهاية مسار التفاوض العبثي بعد استنفاد الرياض لكافة فرص التهدئة، وتثبيت قاعدة «الحصار بالحصار» التي ترهن أمن المنشآت الحيوية والمطارات السعودية برفع الحصار واستعادة الحقوق المشروعة لليمنيين، فضلاً عن اعتبار أي استهداف لليمن حرباً مباشرة تستدعي رداً شاملاً يطال أطراف التحالف كافة تحت مبدأ تطابق الجبهات.

وبذلك، وضعت صنعاء الجميع أمام خيارين: إما الرفع الكامل والشامل للحصار والإقرار بالحقوق السيادية لليمن، أو مواجهة انفجار الميدان بقواعد اشتباك لن تُبقي ولن تذر.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت