السياسية || محمد محسن الجوهري*

بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على السقوط التاريخي لنظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في عام 1994، واعتلاء نيلسون مانديلا سدة الحكم، لا تزال جنوب أفريقيا تعيش مفارقة اقتصادية واجتماعية هي الأغرب من نوعها عالمياً. ففي الوقت الذي تقبع فيه الثروات السيادية، والأراضي الزراعية، والكتل النقدية الضخمة في يد الأقلية البيضاء، تتجه موجات الغضب الشعبي والاحتجاجات العنيفة نحو الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع: المهاجرون الأفارقة.

هذا التحول في مسار العدائية يعكس أزمة بنيوية عميقة تداخلت فيها الوعود السياسية المجهضة، والجغرافيا المعزولة، وآليات النفسية الاجتماعية التي تبحث عن "كبش فداء" يسهل تحميله وزر الأزمات المتراكمة.
تسوية 1994: مقايضة السياسة بالاقتصاد
لجذر هذه المفارقة تاريخ يمتد إلى مائدة المفاوضات التي أنهت الفصل العنصري. آنذاك، صِيغت التسوية التاريخية على قاعدة "منح الأغلبية السوداء السلطة السياسية وحق الاقتراع، مقابل طمأنة الأقلية البيضاء والشركات الكبرى بعدم المساس بالملكية الخاصة أو تأميم الأصول" لتجنب انهيار اقتصادي مفاجئ.

هذا الاتفاق، الذي وُصف لاحقاً من قِبل حركات شبابية وأحزاب معارضة مثل "مقاتلي الحرية الاقتصادية" (EFF) بـ "التسوية المنقوصة"، ترك هيكل الاقتصاد الاحتكاري كما هو. لقد حصل المواطن الأسود على ورقة الاقتراع، لكنه ظل مجرداً من أدوات الإنتاج والسيادة الاقتصادية، مما خلق فجوة هائلة بين سقف التوقعات الوردية لمرحلة ما بعد 1994 والواقع المعيشي المرير.

بدلاً من أن تسهم برامج التمكين الاقتصادي في إعادة توزيع الثروة بشكل عادل، تكرست الطبقية بشكل أعمق؛ حيث ظهرت نخبة سوداء صغيرة مستفيدة من النظام الجديد، بينما ظلت القاعدة العريضة من الشعب في القاع. ويصنف البنك الدولي جنوب أفريقيا باستمرار باعتبارها البلد الأكثر تفاوتاً في العالم، مسجلة أعلى مؤشر "جيني" (Gini Coefficient) عالمياً بنحو 63 نقطة.

في هذا المناخ، يمتلك المزارعون البيض (الذين يشكلون أقل من 8% من السكان) حوالي 72% من الأراضي الزراعية الخاصة، ويبلغ متوسط دخل الأسرة البيضاء أضعاف متوسط دخل الأسرة السوداء. هذا التفاوت الصارخ يولد حالة من "الحرمان النسبي"، حيث يرى الفقراء مظاهر الثراء الفاحش يومياً في المدن الكبرى دون القدرة على الوصول إليها، مما يشحن الشارع بطاقة غضب مكتومة تبحث عن مخرج.

وفقاً لـ "نظرية الصراع الواقعي" في علم الاجتماع، عندما تشح الموارد (الوظائف، السكن، الخدمات الأساسية) يزداد الصدام بين الجماعات المتنافسة في ذات الطبقة الاجتماعية. وهنا تبرز ظاهرة "رهاب الأجانب الأفارقة" (Afrophobia) كبديل لرهاب الأجانب العام؛ فالاحتجاجات وعمليات الحرق لا تستهدف السياح أو المستثمرين البيض أو الآسيويين، بل تستهدف حصرياً المهاجرين القادمين من زيمبابوي، نيجيريا، الصومال، وموزمبيق.

المواطن المحلي في الأحياء الفقيرة (Townships) لا يتنافس مع رجل الأعمال الأبيض في المقاطعات المالية مثل "ساندتون"، بل يتصادم يومياً مع المهاجر الإفريقي الذي يدير متجراً صغيراً (Spaza shop) أو يعمل في قطاع البناء والخدمات غير الرسمي. يُنظر إلى المهاجر في القاع كتهديد مباشر لأنه يرتضي بأجور أقل ولا يملك غطاءً نقابياً يحميه، مما يجعله الخيار المفضل لأصحاب العمل الساعين لخفض التكلفة.

يساهم التخطيط العمراني الموروث عن عهد الأبارتايد في تعزيز هذه المفارقة. لا تزال المدن مقسمة جغرافياً؛ فالأثرياء يعيشون في مجمعات سكنية مغلقة ومحمية بأسوار أمنية، بعيداً تماماً عن بؤر الاحتقان في العشوائيات، مما يمنع حدوث احتكاك أو صدام طبقي مباشر بين الفقراء والأثرياء الفعليين.
من جهة أخرى، تجد النخب السياسية المحلية في ملف الهجرة طوق نجاة مثالي للهروب من المسؤولية. فمع وصول معدلات البطالة الهيكلية إلى أكثر من 30% وفشل الحكومة في تقديم الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء (أزمة إيسكوم المتواصلة)، يسهل توجيه الخطاب السياسي نحو "العمالة غير الشرعية" وتحميل المهاجرين مسؤولية الضغط على البنية التحتية والمستشفيات، وهي السردية التي تبنتها حركات شعبية مثل "أوبريشن دودولا" وموجات العنف الدورية التي شهدتها البلاد في أعوام 2008 و2015 و2019.

إن اختزال أزمة جنوب أفريقيا الاقتصادية في تواجد العمالة المهاجرة هو تشخيص خاطئ لمرض هيكلي مزمن. فما تشهده البلاد ليس صراعاً بين مواطن وأجنبي بقدر ما هو تفريغ عنيف لإحباطات تاريخية واقتصادية متراكمة. وما لم تنجح الدولة في تفكيك احتكارات الثروة الموروثة عن عهد الفصل العنصري وإصلاح المنظومة التعليمية والاقتصادية، ستبقى الأغلبية الفقيرة تتصارع على "الفتات في القاع"، مستهدفة الطرف الأضعف، بينما تظل الثروة الحقيقية محصنة بعيداً عن الأنظار.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب