طوفان الجنيد*




يقول الله سبحانه وتعالي فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ. ومن هذا المنطلق يقوم نظام الجمهورية الإسلامية بالدفاع عن نفسه وعن أرضه وعرضه وكرامته ويرد على العدوان الأمريكي الصهيوني وأدواتهم ومراكز تواجد ثكناته وقواعده العسكرية منذ ما يقارب العام فقد شهدت منطقة الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة تحولات دراماتيكية متسارعة، صاغت تفاصيلها لغة القوة والتحشيد العسكري.

وفي قلب هذه التحولات، يبرز الوجود العسكري الأمريكي المتمثل في شبكة واسعة من القواعد العسكرية والقطع البحرية التي تطوق الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

ومن وجهة نظر استراتيجية وقانونية، فإن أي مواجهة أو رد إيراني يستهدف هذا الطوق العسكري لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق "الدفاع المشروع عن النفس" وحفظ الأمن القومي، وهو حق تكفله المواثيق الدولية للدول ذات السيادة لحماية أراضيها ومصالحها الحيوية.

أولاً: منطق "التطويق الاستراتيجي وتهديد السيادة الإيرانية
تتوزع القواعد الأمريكية في المنطقة كقوس يمتد من الخليج وصولاً إلى آسيا الوسطى والمحيط الهندي. و من المنظور الأمني الإيراني، لا تُصنف هذه القواعد على أنها أدوات "لحفظ الاستقرار" كما تدّعي واشنطن، بل هي بنية تحتية هجومية متقدمة لفرض الهيمنة المباشرة والعربدة الأمريكية ومحاصرة الصادرات الحيوية لإيران وإعاقة حركتها التجارية والاقتصادية عبر الممرات المائية الإستراتيجية مثل مضيق هرمز، ومراكز للانطلاق والاعتداءات وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أو الحالية أن أمريكا تُستخدم هذه القواعد كنقاط انطلاق لعمليات التجسس والاستطلاع، وصولاً إلى تنفيذ ضربات عسكرية مباشرة لدول المنطقة لفرض الهيمنة والاستكبار ومحاولة الاستئثار بالموارد الاقتصادية للمنطقة وتنفيذ العمليات الاغتيالية كما شاهدالعالم بأسره كيف تم اغتيال القادة إلايرانيين.

تقويض الردع الإيراني وفرض الأمر الواقع
إن سعي واشنطن المستمر لبناء تحالفات أمنية إقليمية متمحورة حول هذه القواعد يهدف إلى تحييد قدرات الردع الصاروخي والدفاعي الإيراني. بناءً على ذلك، يصبح التعامل الإيراني مع هذه القواعد بمثابة استجابة دفاعية حتمية؛ فوجود جيش أجنبي على مقربة من الحدود الوطنية يحمل نوايا عدائية معلنة يمنح أي دولة الحق في اتخاذ التدابير الإستراتيجية لإبعاد هذا الخطر.

ثانياً: الأساس القانوني للرد.. "الدفاع الشرعي" بموجب المادة 51 في القانون الدولي، يُعد مبدأ الدفاع الشرعي عن النفس أحد الركائز الأساسية التي تمنح الدول السيادية الحق في استخدام القوة لصد أي عدوان أو تهديد وشيك. وليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة.

وعندما تقوم الولايات المتحدة بفرض حصار اقتصادي خانق وتشن حربآ عسكرية على إيران وتستخدم قواعدها الإقليمية لشن هجمات سيبرانية أو تنفيذ اغتيالات وضربات مباشرة ضد منشآت إيرانية، فإن الرد الإيراني يخرج من إطار "المبادرة بالهجوم" ليدخل في إطار الرد الدفاعي المتناسب لكبح جماح هذا العدوان المستمر.

ثالثاً: معادلة الردع الاستراتيجي وحفظ التوازن الإقليمي
تدرك طهران أن غياب الرد الحاسم على التحركات الأمريكية يغري الطرف الآخر بارتكاب مزيد من التجاوزات وسوء التقدير الاستراتيجي.
لذا، يعتمد المفهوم الاستراتيجي الإيراني للرد على الردع المقاوم الذي يجعل كلفة أي اعتداء أمريكي انطلاقاً من قواعد المنطقة تفوق بكثير الفوائد المرجوة منه.

استهداف القواعد الأمريكية أو إظهار القدرة على شلها يرسل رسالة واضحة بأن هذه القواعد ليست "قلاعاً آمنة"، بل هي نقاط ضعف تقع بالكامل تحت مرمى النيران الإيرانية.
يساهم الرد الإيراني في كسر الهيمنة الأمريكية المطلقة على أمن الطاقة والممرات المائية في المنطقة.

هذا التوازن يفرض على القوى الإقليمية والدولية الاعتراف بإيران كلاعب رقيب وشريك أساسي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

رابعاً: الاستقلالية الإقليمية ورفض الوصاية الدولية
إن التأكيد الإيراني على حق الرد والدفاع عن النفس يحمل في طياته بعداً أيديولوجياً وسياسياً يتمثل في رفض الوصاية الأجنبية.

ترى طهران أن أمن الشرق الأوسط يجب أن يُصاغ بأيدي أبنائه ودوله، بعيداً عن القوى العابرة للقارات التي تستغل القواعد العسكرية لتقسيم المنطقة وإثارة النزاعات لضمان تدفق مصالحها الاستعمارية.

بالتالي، فإن تقويض فاعلية القواعد الأمريكية بالرد العسكري أو الاستراتيجي يمثل خطوة أساسية نحو إجبار القوات الأجنبية على الانسحاب، وتثبيت منطق السيادة الوطنية الكاملة لدول المنطقة.

ختاما:

إن الرد الإيراني على القواعد الأمريكية في المنطقة ليس مجرد خيار تكتيكي أو رغبة في التصعيد، بل هو ضرورة استراتيجية وحق سيادي أصيل يهدف إلى حماية الوجود وصون كرامة الجمهورية الإيرانية وشعبها ومصالحها الاقتصادية في عالم تحكمه توازنات القوة، فعندما يتم رصد تحركات العدو الأمريكي ومصادر نيرانه تنطلق من هذا لقواعد المجاورة لإيران ، يحتم عليها الدفاع والرد المباشر على مصادر النيران وقد حذرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدول المجاورة أن لا تسمح للعدو الأمريكي المجرم باستخدام أراضيها والانطلاق من قواعده المتواجده فيها وان منع العدو وطرده هو الضمانة الوحيدة لمنع تحول التهديدات العسكرية المحيطة بالمنطقة ككل إلى واقع مفروض، وان ردنا على هذه الممارسات مشروعة للدفاع عن النفس وبناء سلام حقيقي يقوم على الندّية والتوازن وليس رغبة في استهداف دول الجوار كما يروج له الاعداء.



*المقال يعبر عن رأي الكاتب