غزة تدق ناقوس الخطر لإنقاذ ما تبقى.. هل أصبح الدم رخيصًا؟
السياسية - وكالات:
لم تعد أخبار المجازر والغارات المكثفة على قطاع غزة تصنع العناوين العريضة في وسائل الإعلام العالمية، ولا هي باتت تحرك ساكناً في أروقة الدبلوماسية الدولية، خلف هذا الصمت المطبق، تحولت دماء الفلسطينيين وأشلاؤهم إلى ما يشبه "الروتين اليومي" الذي اعتاده العالم، في وقت يصعّد فيه الاحتلال الصهيوني من وتيرة قصفه للمربعات السكنية ومخيمات النازحين، تاركاً العائلات في مواجهة مفتوحة مع الموت والتشرد دون أي ضغط دولي يلجم هذه الآلة الحربية.
ليلة الرعب في النصيرات: "كأنها القيامة"
في منتصف الليل، حيث من المفترض أن تبحث العائلات عن أمان مفترض داخل خيام مهترئة، تحوّل مخيم النصيرات وسط قطاع غزة إلى ساحة حرب جديدة بعد غارة عنيفة استهدفت حياً سكنياً، مخلفة دماراً هائلاً في المنازل المحيطة وتمزيقاً لما تبقى من مأوى للنازحين.
يروي شاهد العيان، عبد الله محمود، لمراسل وكالة الأنباء اليمنية (سبأ) تفاصيل تلك اللحظات القاسية، قائلاً: "كنا في خيمتنا قاعدين بنجهّز الفراش لأولادنا حتى يناموا، لكن فجأة سمعنا صوت صراخ في الشارع.. خرجت من الخيمة لقيت الناس بتحكي عن تحذير المخابرات الصهيونية بإخلاء الحي كله".
ويتابع محمود بوجه شاحب وعينين تملاؤهما الصدمة: "طلعنا في لحظات بدون وعي زي يوم القيامة، وما قدرنا نحمل غير أولادنا وتركنا كل شي في الخيمة.. بعد ربع ساعة قصفوا بيت من 4 طوابق في الحي ودمّروا معاه بيوت كثير بجواره، وكل خيمنا تمزعت".
الدمار لم يكن مادياً فحسب، بل ترك مئات المواطنين بلا مأوى في عراء ليل غزة، يضيف محمود لـ"لسبأ" بحسرة: "حتى الآن إحنا وأولادنا في الشارع والدنيا صارت منتصف الليل ومش عارفين وين نروح.. هذا الأمر تكرر كثير الأيام الماضية في مناطق تانية.. وكأن الحرب رجعت من جديد، والعالم كله ساكت كأنه الدم الفلسطيني رخيص والعالم اعتاد على معاناتنا ووجعنا.. زوجتي وأولادي في حالة رعب كبيرة ومش عارف شو أعمل".
نتنياهو والمقامرة بـ "ورقة غزة" الانتخابية
هذا التصعيد المكثف والمستمر لا ينفصل عن الحسابات السياسية الداخلية للاحتلال، ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن غزة باتت ساحة للدعاية الانتخابية الأبرز لقادة اليمين الصهيوني.
وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي، الدكتور ذو الفقار سويرجو، أن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو يواجه تراجعاً حاداً وخسارة للكثير من الأوراق الانتخابية في استطلاعات الرأي، لاسيما مع الاقتراب من موعد الانتخابات المقررة في شهر نوفمبر المقبل.
وأوضح د. سويرجو، في حديث خاص لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن نتنياهو يرفض تماماً فكرة تبكير الانتخابات، ويحتفظ بـ "ورقة غزة" كأداة انتخابية رابحة يسعى من خلالها إلى رفع رصيده السياسي بشكل يومي أمام الجمهور الصهيوني المتطرف.
وأشار إلى أن هذا القصف والعدوان المستمر يهدف إلى تحقيق أهداف مرحلية ترضي هذا الجمهور، عبر عمليات اغتيال شبه يومية واستهداف مباشر للمناطق السكنية والمدنية في قطاع غزة، مما يساهم في إعادة التفاف الناخبين المتطرفين حوله.
وتوقع سويرجو استمرار هذه العمليات العسكرية لعدة أشهر قادمة إلى حين الوصول إلى موعد الانتخابات الصهيونية، معتبراً أن خيارات الفصائل الفلسطينية باتت معقدة وصعبة للغاية في ظل استهداف البنية التحتية العسكرية، وأن الجهود تتركز الآن على الصمود ومنع التوغل مجدداً.
بلادة دولية تشرعن الجريمة
ولا تكمن خطورة المرحلة الحالية فقط في حجم المتفجرات التي تسقط فوق رؤوس المدنيين في غزة، بل في حالة "البلادة الأخلاقية" التي تصيب المجتمع الدولي، فالغارات التي كانت تقيم الدنيا ولا تقعدها في الأشهر الأولى للحرب، باتت تمر اليوم كخبر هامشي في شريط الأخبار، وهو ما يمنح الاحتلال ضوءاً أخضرا غير معلن للمضي في عمليات التطهير العرقي وحرب الإبادة.
وحذر د. سويرجو في ختام تحليله، من هذا المشهد الصامت، مؤكداً أنه "في حال غياب أوراق ضغط خارجية حقيقية لإنقاذ ما تبقى في قطاع غزة، فإن المشهد يتجه نحو تعقيد أكبر يضع الجميع في مأزق حقيقي، مما قد يفتح المجال للاحتلال لارتكاب مزيد من الجرائم".
وبين تحليلات السياسيين وصراخ الأطفال في شوارع النصيرات وكل مخيمات قطاع غزة، تظل غزة تدفع فاتورة "الاعتياد العالمي" على مشهد الدم.
وتشهد جبهة قطاع غزة تصعيداً عسكرياً جوياً وبرياً متواصلاً، يتمثل في مئات الخروقات المتكررة لما عُرف باتفاقات التهدئة، حيث وثقت الطواقم الطبية والمؤسسات الدولية ارتقاء مئات الشهداء وآلاف الجرحى خلال الأسابيع الأخيرة الماضية جراء الغارات المركزة.
ولم يقتصر القصف الجوي الأخير على المنازل فحسب، بل امتد لضرب مقومات الحياة الأساسية المتبقية للنازحين، ومن أبرز الشواهد الأخيرة استهداف الطيران الحربي لـ "تكية" ومطبخ خيري لتقديم الطعام للنازحين بالقرب من مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح (وسط القطاع)، مما أسفر عن ارتقاء ٣ شهداء وإصابات بين المدنيين المنتظرين لقوت يومهم.
كما يركز طيران الاحتلال المسير والحربي على تنفيذ عمليات اغتيال خاطفة لضرب الهياكل التنظيمية والميدانية؛ كان من أبرزها مؤخراً اغتيال عدد من الكوادر الأمنية والميدانية، كاستهداف مدير مباحث شرطة خان يونس، واغتيال القائد العام لكتائب القسام عز الدين الحداد عبر غارة جوية مباشرة في غزة.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في قطاع غزة ، ارتفاع عدد شهداء الشرطة إلى 42 شهيداً منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة ، بعد استشهاد خمسة ضباط إثر قصف العدو الإسرائيلي ظهر اليوم السبت، مقراً للشرطة في منطقة التوام شمال القطاع.
وأكدت الوزارة، في بيان ، اليوم السبت ، اطلعت عليه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، أن العدو الإسرائيلي ارتكب اليوم مجزرة جديدة بحق الشرطة ارتقى على إثرها كوكبة جديدة من شهداء الواجب من ضباط وعناصر جهاز الشرطة.
بات جيش الاحتلال يعتمد بصورة شبه يومية على توجيه تهديدات مفاجئة لإخلاء مربعات سكنية ومخيمات بأكملها (مثل مخيم الشاطئ والنصيرات ومناطق شرق خان يونس)، تتبعها غارات تدميرية هائلة بعد دقائق معدودة، مما يكرس حالة "النزوح الدوار" ويحرم النازحين من الاستقرار في أي مركز إيواء أو خيمة.

