السياسية || محمد محسن الجوهري*

في مايو 2017، تأسس المجلس الانتقالي بإشراف الإمارات، وأُعلن في حينه أن دوره مؤقت وانتقالي حتى تأسيس دولتهم المزعومة، واليوم وبعد تسع سنوات يظهر عيدروس الزبيدي مجدداً ليعلن عن مرحلة انتقالية أخرى قد تطول أطول من سابقتها، في موقفٍ رعديد يذكرنا بموقف علي سالم البيض عشية إعلانه الانفصال سنة 1994.

ولعل النتيجة ستكون نفسها، فكما تبخر البيض وجماعته بين ليلة وضحاها في يوليو 1994، فإن مصير الانتقالي هو نفسه، والمعطيات على الأرض تؤكد أن تلاشيه مسألة وقت وقرار ومعركة حاسمة، والسعودية قادرة على فعلها، تماماً كما فعلتها في أغسطس 2019، ودحرت الانتقالي من أبواب حضرموت وحتى أزقة عدن، لتؤكد أن الانتقالي جاء بقرارٍ خارجي وسيرحل بقرارٍ آخر.

وبما أن الزبيدي حدد مرحلته الانتقالية بعامين، فإن هذه المرحلة هي الأخيرة في تاريخ المجلس، وربما في تاريخ التدخل الإماراتي في اليمن، فالغلبة في الأخيرة لمن يرفع شعار الوحدة، وكما قالها الرفيق عبد الفتاح إسماعيل: «من يرفع شعار الوحدة ينتصر»، وبالفعل، فهذا الأمر هو سر انتصار عفاش وعصابته في حرب الانفصال، وهو السر الذي تستغله السعودية اليوم لضرب مشروع الإمارات المناهض لآل سعود.

وحتى مستقبلاً، ستبقى الغلبة لمن يرفع شعار الوحدة، فالمشاريع الضيقة محكوم عليها بالفشل، وقد رأينا كيف تضاءلت الدعوات المناطقية في الجنوب بالتدريج حتى أصبحت ضد بعضها البعض، وأصبح أصحاب الضالع هم المعيار لوطنية الجنوبي من عدمها، وكل من يعارضهم فهو خائن ولو كان من أبناء جلدتهم، فأصحاب أبين درجة ثالثة، وشبوة رابعة، أما حضرموت فهم الدرجة الأقل في المشروع الانفصالي.

وللعلم، فإن الوحدة، ورغم ما شابها من أخطاء ومؤامرات، هي أرحم للجنوبيين من سياسة التشطير والإقصاء والقتل بالهوية، فالوحدة، ظلت الإطار الجامع الذي أفشل مشاريع التشظي، وأبقى الكيانات المناطقية في حالة ارتباك دائم وعجز عن التحول إلى واقع مستقر. ولهذا تحديداً تخشى القوى الخارجية هذا الشعار، لأنه يسحب منها أهم أوراقها، ويعيد تعريف الصراع بوصفه صراعاً بين مشروع وطني جامع ومشاريع تفكيك وظيفتها خدمة الخارج لا أكثر.
كما أن التجربة العملية للمجلس الانتقالي وسواه من المشاريع الانفصالية كشفت أن هذه الكيانات لا تملك رؤية حقيقية لبناء دولة، بقدر ما تقوم على منطق الإقصاء والتفاضل المناطقي، وتحويل الانتماء الجغرافي إلى معيار للولاء والخيانة. ومع مرور الوقت، تتآكل هذه المشاريع من الداخل، وتتحول إلى بؤر صراع داخلي، حيث يتنازع أتباعها على النفوذ والغنائم، في غياب أي جامع وطني أو هدف استراتيجي واضح، وهو ما يجعل سقوطها مسألة حتمية لا ترتبط فقط بقرار خارجي، بل أيضاً بفشلها الذاتي.

إن مسار الأحداث يؤكد أن اليمن، مهما اشتدت عليه المؤامرات، لا يمكن كسره إلا إذا تخلّى أبناؤه عن وحدتهم. فكل مشروع لا يتكئ على فكرة اليمن الواحد، محكوم عليه بالزوال، وكل كيان صُنع خارج إرادة الشعب، سيُسحب منه الغطاء يوماً ما. ولهذا ستبقى الوحدة، بما تمثله من عمق تاريخي وسياسي واجتماعي، عنوان الانتصار الحقيقي، وسقفاً تسقط تحته كل مشاريع التفتيت، مهما طال أمدها أو تغيّرت مسمياتها.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب