مخلب النسر المكسور: حين هُزمت قوة دلتا في صحراء إيران
السياسية || كيان الأسدي*
ما يُسمّى بـ«وحدة دلتا» الأميركية، تلك القوة الخاصة التي يتغنّى بها دونالد ترامب وأتباعه، ويُروَّج لها على أنّها تمتلك فائضًا أسطوريًا من القدرة يمكّنها من تنفيذ أي عملية، وفي أي بقعة من بقاع العالم، هي ذاتها التي يُنسب إليها تنفيذ عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته. غير أنّ التاريخ، حين يُستحضر بلا دعاية ولا تهويل، يكشف وجهًا آخر أقلّ بريقًا وأكثر انكسارًا.
هذه القوة نفسها تلقت في إيران الإسلامية صفعة مدوّية، لا تزال أصداؤها تلاحق الذاكرة العسكرية الأميركية حتى اليوم، صفعةً في صحراءٍ قاحلة تحوّلت إلى شاهدٍ أبدي على العجز والفشل. هناك، في بدايات عهد الجمهورية الإسلامية، وأمام رجال الثورة الذين كانوا ما يزالون يشقّون طريقهم تحت قيادة الإمام الخميني، سقطت أسطورة «القوة التي لا تُقهر».
كانت قوات دلتا هي رأس الحربة في الخطة الأميركية لتحرير الرهائن من السفارة الأميركية في طهران عام 1980، ضمن عملية عُرفت باسم مخلب النسر.
خُطط للعملية بدقة معقّدة، تقضي بإدخال القوات سرًا إلى داخل الأراضي الإيرانية عبر طائرات نقل عسكرية ومروحيات، وإنزالها في مواقع تجهيز قريبة من طهران، تمهيدًا لتنفيذ الهجوم الخاطف.
لكن صحراء طبس كان لها رأي آخر.
تلك الصحراء، التي تحوّلت إلى كابوسٍ دائم لوحدة دلتا، كانت الموقع الذي اختارته الولايات المتحدة كنقطة تجمع سرّية أُطلق عليها اسم ديزرت ون، لإعادة التزود بالوقود وتجميع القوات قبل التوجه إلى العاصمة الإيرانية. وما إن بدأت المروحيات بالوصول، حتى واجهت عواصف رملية عاتية وأعطالًا ميكانيكية متتالية. تعطّل عدد من المروحيات، ولم يتبقَّ العدد الكافي لإكمال المهمة، فصدر القرار المرتبك بإلغاء العملية.
وخلال الاستعداد للانسحاب، وقعت الكارثة الكبرى: اصطدمت إحدى المروحيات بطائرة نقل عسكرية من طراز C-130 كانت محمّلة بالوقود، ما أدى إلى انفجار هائل أودى بحياة ثمانية جنود أميركيين، وأجبر القوة على الانسحاب المذلّ، تاركة خلفها معداتها وأشلاء هيبتها في رمال الصحراء.
كان الفشل كاملًا، عسكريًا واستخباراتيًا، وشكّل صدمة قاسية للمؤسسة العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة،، بل وكان أحد العوامل التي أطاحت بالرئيس جيمي كارتر سياسيًا.
أما في إيران، فقد سُجّلت الحادثة في الذاكرة الوطنية باسم معجزة طبس، لا بوصفها مجرد فشل تقني لعملية عسكرية، بل رمزًا لسقوط وهم التدخل الأميركي، ودليلًا على أن القوة المادية، مهما تضخّمت، يمكن أن تنكسر أمام الإرادة والإيمان، وحتى أمام رياح الصحراء.
* كاتب عراقي
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

