د. يوسف الحاضري *

 

ومازال الشيطان يمارس تهديداته ووعوده في إضلال البشرية مستخدما في ذلك تلك الصفات النفسية التي أغوته لأنها السبيل الأقوى لأغواء البشر .

كما ان للقصص التي في القرآن دورا في هدايتنا عبر تدبر كل جوانبها وجزئياتها وشموليتها فهي من جانب آخر رسائل تنبيه للظالمين بأن مصيرهم لن يكون الا كما كان مصير الاقوام السابقين وهي ايضا رسائل تطمين نفسية للرسول صلوات الله عليه وعلى آله وللقيادات القرآنية من ورثة القرآن ممن يحملون هموم الأمم ليساندهم نفسيا بأن من ساند من سبقكم في ظروف ريما أشد واصعب وأطول مدة زمنية سيساندكم فسنن الله لا يمكن ان تبدل، ومن هنا سننطلق في الكلام عن قصة نوح عليه السلام وما هي بعض الدروس الني سنستقيها منه (حسب ما يقدرني الله عليه من استيعاب وتدبر) والمجال مفتوح للجميع بالتدبر والبحث فدروس الله لا تنبض ابدا مهما شربنا منها واستقينا واسقينا، ومن هنا سيكون مدخلنا للحديث اليوم عن نوح عليه السلام .

فترة زمنية مرت ما بين أبونا آدم عليه السلام حتى نبي الله نوح عليه السلام حصل فيها الكثير من حركات وانشطة للشيطان الرجيم في سعيه لأضلال البشرية بكل جهده وطاقاته وكما هي سنة الله فقد ضل الكثير وصمد الكثير ولكن مع مرور الوقت وضمن غفلة البشرية وتراكماتها وتوارثها جيلا بعد جيل يقابله ضعف في تحمل المسئولية من الصالحين وتوارث الضعف والوهن وصل الامر ان استطاع الشيطان ان يحرف الأمم عن مسار عبادة الله الى عبادة اصنام صنعوها بأيديهم واطلقوا عليها مسميات معينة ك(ود – سواعا – يغوث – يغوق – نسرا) وغيرها فوصلت البشرية إلى أدنى مراحلها الدينية والارتباط بالله مقابل إرتباطهم الكبير بالشيطان فأستخدم الشيطان لتوثيق هذا الأرتباط عدة أسلحة تضمن التصدي لأي عملية تصحيح ليعود الناس الى الله ويتركون الضلال على رأسها تمييز الناس الى طبقات معينة منها الطبقة الغنية وغمر قلبها بالتجبر والتكبر، والطبقة الفقيرة وغمر قلبها بالهوان والضعف والاستسلام، ولأن الله وعد البشرية عندما أهبط آدم من الجنة بأنه لن يتركهم بدون هدى فقد أقتضت حكمته عز وجل على ان يجعل الهدى على يد رجل من هؤلاء القوم الضالين ويمتلك عدة صفات ومميزات تسانده في دعوته، فالدعوة هي لفظية كلامية إعلامية لذا جعل من صاحبها من ذوي النفوس الطيبة والأخلاق الحميدة والقبول المجتمعي عند الجميع لكي لا يشككون في دعوته عبر ضرب الأمثلة عن تاريخه الأسود والضال مثلا، فاقتضت الحكمة ان يرسل نوحا على السلام ويجعله رسولا الى قومه لهدايتهم وإعادتهم للطريق المستقيم وإبعادهم عن طريق الشيطان الذي يهدف الى اضلالهم ليرافقوه الى جهنم بعد ان يدمروا الأرض التي اوجب علينا استخلافها وبناءها كما يريد الله .

جاء نوح الى قومه وبدأ دعوته بصورة تخويفية للناس الضالين وهو إنذارهم بعذاب يصيبهم في الدنيا ويصيبهم في الأخرة وعندما استفسروه عما يكون هو حتى يتكلم بهذا الكلام فقال لهم اني رسول الله إليكم , أدعوكم لتعودوا الى عبادة الله الواحد الاحد وان تكون عبادتكم هذه لتتقوا عذابه في الدنيا وعقابه في الآخرة وكونوا له من الطائعين ولا تركنوا إلى الشيطان فيضلكم كما أضل الكثير من الناس ممن سبقوكم , فهو الله الذي يرسل السماء مدرارا وهو من يرزقكم بالأبناء وبالاموال وهو من الذي ينشيء لكم جنات بالزرع والاثمار وكلما تشتهونه وهو من يفجر الارض ينابيع بالماء وهو الذي خلق السماوات بعضعا فوق بعض متتاليات في تتابع يشابه تتابع اطوار خلقكم وجعل الشمس هذه سراجا لنستفيد بها في.حياتنا اليومية واعاشتنا وانار لنا ظلمة الليل الحالك بالقمر وهو الذي جعل لنا الأرض مبسوطة ذلولا لنمشي في مناكبها بسهولة ونأكل من رزقها فماذا يمكن ان تقوم به هذه الآلهة الحجرية التي تتخذونها آلهة لكم تعبدونها !!! ألا تمتلكون عقولا تفقه ضلالكم وانحرافكم !! وهكذا استمر نوحا يقدم لهم الدلائل والبينات بأسلوب الدعوة اللفظية بالحجج والمنطق العقلي السليم الذي يتناسب ويتناسق مع عقول البشر اجمع لانها حجة الله عليهم يوم الحساب، ومع ذلك لم يتقبله قومه الا قليل من المستضعفين، فيا ترى لماذا هذا الجحود والرفض رغم كل البينات والدلائل؟.

عانى نوح عليه السلام الكثير من المصاعب فقد انبرأ للصد والرفض أكابر القوم الأثرياء الممتلأين حقدا وحسدا كنتاج طبيعي لصناعة الشيطان لذا كان منطقهم كالتالي ( ما نراك الا بشرا مثلنا) بما يعكس الكبر والغرور، عوضا عن انه سلاح لتشويهه وتشويه دعوته والتشويش عليها أيضا مستخدمين سلاح مجتمعي آخر وهو الاستنقاص من قيمة دعوته ورسالته من خلال استنقاص اتباعه الذين اتبعوه عندما قالوا ( وما نراك اتبعك الا الذين هم اراذلنا ) ثم استخدموا أيضا سلاح الاستنقاص من الجميع النبي والمؤمنين معه بقولهم ( وما نرى لكم علينا من فضل ) وفي الأخير اوصولوا عقول الاتباع لهم الى ان قالوا عن نوح بأنه (كاذب) بقولهم ( بل نظنكم كاذبين) وهذه أمور استخدموا فيها ادواتهم التضليلية ضمن إطار حرب ناعمة خبيثة وبأسلوب التودد للناس الذين يتبعونهم من منطلق ان المتكبرين يرون ان الاصنام التي يعكف عليها الشعوب هذه هي من تجلب لهم ثروات كبيرة فقد اقترن منذ الازل العبادات الروحية مع السلطة الحاكمة ليخدما بعضهما البعض ويحافظا على بقاءهما معا فيظل من يقود التدين ثريا ويظل السياسي ايضا ثريا وهكذا حتى في عصرنا فدائما نرى الثراء للمسئولين الدينيين عند الحركات الدينية الضالة الشيطانية كالوهابية مثلا وإرتباطها بساسة آل سعود ليخدم بعضهما البعض واللذان لا يقلان خبثا وجهنمية عن الفكر الذي في عهد نوح لذا تصدوا لنوح بشده وقوة حفاظا على مناصبهم وثرواتهم رغم ايمانهم بان نوح على حق وهم على باطل ولكن الشيطان استطاع ان يزين لهم سوء أعمالهم، وهذا ما وجدناه فيهم بعد ان عجزوا عن محاورة نوح ومجاراة دعوته لجأوا الى ان كانوا يتصدون لدعوته بالحركات كان يستغشوا ثيابهم على وجوههم ويضعون أصابيعهم في آذانهم وغير ذلك من ممارسات تعكس مدى تكذيبهم واصرارهم على ذلك.

لم تهن عزيمة نوح في الدعوة الى الله فهو من اولي العزم ( والعزم يعني العمل مع الصبر) لذا غير من أساليب دعوته عل وعسى ان يجد نتائج لها ( وهي دعوة لنا ان نكون ممتلكين لروحية الإبتداع في الدعوة بطرق مناسبة ومتجددة) فقام نوح ليدعوهم جماعيا فرآى في نفسية بعضهم انهم مستعدين للهداية ولكن اثرت فيه عصبية قبيلته فتراجع لذا لجا نوح الى الدعوة الفردية (ثم اني أعلنت لهم واسررت لهم إسرارا) الليلية والنهارية (قال رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا) وهذا يعطينا درسا هاما على ان العمل الجهادي والمسئولية لا يعرف توقيتا معينا ولا يعرف إجازات دورية ولا يعترف بأوقات للراحة واوقات للعمل ولكن متى ترى ضرورة للتحرك يجب الا تتقاعس وتتباطأ بل تحرك ليلا كان او نهارا , ومع ذلك لم يستجب له من المستكبرين احد فعلل بعضهم أسباب الرفض لان اتباع نوح من الضعفاء الاراذل وهذا يعطينا درسا هاما بانه يجب ان نكون سباقين في الأعمال الخيرية فغالبا الشيطان مع النفس تصنع حاجزا بيننا وبين القبول بالخير من اتباع الخير الأوائل فننظر اليه من خلال نظرتنا الى من يتبع الخير والحق وهذه عالجها الإمام علي عليه السلام بقوله ( اعرف الحق تعرف أهله ) أي اعرف نمطية الحق وانظر من يتبعه وعندها صف اتباعه بانهم اهل الحق ورجال الحق وليس العكس ! أيضا ولان نوح كان اول الأنبياء استخدم المضللون فكرة انه ( ان هذا الا بشر يريد ان يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آباءنا الاولين) نظروا للأمر من منظور ان هذا سيأخذ مناصبكم ومكانتكم الاجتماعية (ومن منطلق ايمانهم الداخلي بصدقه وايمانهم السابق بان الله خالق السماوات والأرض ) ضربوا على الوتر الحساس عند العقول السطحية التي تسقط بسهوله ودائما في التضليل الإعلامي والتلاعب بالعقول لذا قالوا ( ولو شاء الله) وايضا قالوا ( لأنزل ملائكة) وهكذا استمروا في جداله وعناده وهو استمر في دعوته بصبر واحتساب دون أي ضيق لمعاندتهم جيلا بعد جيل، وقرنا بعد قرن , وكان الأباء يوصون ابناءهم بالابتعاد عن نوح فهو مجنون ( ان هو الا رجل به جنة) خاصة وهم يشوفونه مئات السنين وتتوارث الاخبار عنه حتى مضى 950 عاما وهو يدعوهم بنفس الروحية والنفسية التي بدأ بها دون ان تخفت او تهون عزيمته او يتلاشى صبره .

وهنا جاء البلاغ الإلهي (انه لن يؤمن من قومك الا من قد آمن) وهذا موضوع حديثنا في المقال رقم 6 ان شاء الله في هذه الآية وأيضا في آية كفر امرأته به وضلال إبنه عنه والعلاقة الاسرية الحقيقية وفقا للقرآن وخطورة الارتباط بالأهل ممن هم عصاة وحرمة الدعاء لهم بعد مماتهم ودروس أخرى بفضل الله وتوفيقه .

ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون .

* كاتب وباحث في الشئون الدينية والسياسية