تفاصيل لم تنشر عن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي (الحلقة السابعة)
أحمد يحيى الديلمي ————–
- التداعيات وردود الافعال :
اصيب الوطن بحالة توجس كبيرة مرت شهور والشعب في حالة ذهول لم يفق من هول الفاجعة ولم يحس ببعض الاطمئنان إلا بعد اغتيال الغشمي مازلت اتذكر تلك اللحظات كان الناس يتناقلون خبر ما حدث بفرح غامر كنت انا والزميل الصحفي صفاء رشيد مراسل وكالة الانباء العراقية في سيارته بصنعاء بالقرب من القيادة سمعنا الانفجار لحظة وقوعه كنا نسير باتجاه شعوب فغير المسار لم يقف إلا جوار باب القيادة ترجل من السيارة واتجه الى احد الجنود لا ادري مقدار المبلغ الذي دسه في جيبه لكن العسكري قال بطيبة وسذاجة الرجال انتهى مبعوث جاء من عدن بشنطة ملغومة فجرها بنفسه والرئيس .
بعد لحظات اضطررت الى ترك السيارة واللحاق بالمراسل العراقي بفعل المشادة التي حدثت لان ضابط امن القيادة كان يومها الصديق العزير المرحوم اللواء علي قطينة امر بايقاف الصحفي واخذ جهاز التسجيل فتقدمت من الاخ علي واخبرته انه مراسل لوكالة الانباء العراقية وكان علي قطينة بعثني فاخذ كلامي على محمل الجد وامر باعادة المسجلة واخلاء سبيل الصحفي من هذه الحادثة تصدرت وكالة الانباء العراقية نشرات الاخبار وما نشتات الصحف لانها حققت سبق متفرد في نشر الخبر قبل نشره من وكالة الانباء الوطنية “سبأ”هذه النقطة كان لابد من توضيحها لانها اثارت جدل كبير واستغراب عن تفرد الوكالة العراقية بالمعلومة قبل وسائل الاعلام اليمنية ومنها “وكالة سبأ للانباء” .
استنادا الى ما اوردناه من شهادات وردود افعال على جريمة اغتيال الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي كان اكثر اليمنيين اندفاعا للتعبير الواضح عن رفض ماجرى هو الرئيس الشهيد سالم ربيع علي رئيس الشطر الجنوبي من الوطن وصل الى صنعاء والحزن يكسو ثنايا وجهه قال في تصريح له بمطار صنعاء انه لمن المخزي والمعيب ان تتلوث نفوس اليمنيين اقصد البعض منهم فتنزلق الى مجاهل الخيانة والعمالة لتصبح اداة طيعة تحقق غايات الاخر التأمرية بالمال المدنس هذا هو ماحدث لأخي الشهيد الرئيس ابراهيم الحمدي وفي تقديري ان الجناة لم يستهدفوا الشهيد لشخصه لكنهم استهدفوا الوطن ، فور وصوله للمشاركة في التشييع توجه الى منزل الشهيد ابراهيم الحمدي وقدم العزاء لاسرته ووعد بانه لن يهدأ له بال حتى ينتقم من القتله بعد ذلك اتجه الى القصر الجمهوري للمشاركة في مراسيم التشييع وقد شهد بنفسه ردود فعل الجماهير اليمنية الغاضبة لم تهاب الجموع المدججة بافتك الاسلحة في الطرقات وسطوح المنازل الحناجر تصدح بقوة وصلابة (انت القاتل يا غشمي )ومئات الاحذية تحلق فوق الرؤس كانت الوسيلة الوحيدة للمواطن اليمني الغاضب للعتبير عما يختلج باعماقه لانه افتقد زعيم وطني بادله الحب بالحب ونظرا للاحتشاد الجماهيري الكبير عند بوابة مقبرة الشهداء والجميع ينفس عن الغضب والحزن بقذف الاحذية التي ينتعلهوها في الغالب هي كل مابحوزته يقذفها وهو يعلم انه سيعود الى المنزل حافي القدمين لايهم ذلك طالما انه شفى غليله وصب جام غضبه على الجاني الذي اقترف الجريمة وخرج خلف الجنازة يذرف دموع التماسيح ويتباكى على الشهيد الا ان صلابة الجماهير اسقطت اقنعة الزيف وازاحت الستار عن المؤامرة القذرة واضطرت الغشمي الى سلوك طريق اخر للخروج من المقبرة ومعه الرئيس سالم هذا المشهد التعبيرى ذكره الرئيس سالم ربيع بالذات بعد عودته الى عدن .
- المناضل الوحدوي الشهيد عمر الجاوي :
هناك من استبق الاحداث وافشل خطة الرئيس سالم في الثأر المبرمج كان سالم ينوي الثأر ممن امروا بتنفيذ الجريمة :
على خليفة ما نشرته صحيفة صوت العمال وصحف الحزب الاشتراكي عقب تحقيق وحدة الوطن اليمني في 22 مايو 1990م عن تفاصيل اغتيال الرئيس الغشمي بحيث اوردت اسم الشخص الذي نفذ الفعل فمجدت دوره واعتبرته فدائي وهب روحه من اجل الثأر ممن اغتال الرئيس الشهيد المغدور ابراهيم الحمدي وكان الاخ الزميل محمد قاسم نعمان صحفي متمرس وصاحب فطنة يعرف مسبقا ان مجرد الخوض في نفس القضية والكشف عن دوافع الفعل سيرفع مكانه الصحيفة ويقوي حضورها في المحافظات الشمالية وهو ما حدث بالفعل لان الناس كانوا يتلهفون لمعرفة أي شيء يمت بصلة الى الحقيقة ويحل اللغز عن ماحدث .
- التفاصيل التي نشرت وضعت الرئيس سالم ووعوده على المحك
نظرا للحساسية الكبيرة التي تكتنف الموضوع كان لابد ان ابحث عن الطرف المشهود له بالصراحة والصلابة والوضوح فوقع الاختيار على المرحوم الشهيد المناضل الوحدوي الجسورالصادق الانتماء للوطن والمدافع عن قضاياه الاستاذ عمر الجاوي رحمه الله اتصلت به فرحب بالفكرة وفي مساء نفس اليوم مررت عليه في مقر حزب التجمع بجوله سبأ فوجدته والى جواره الاخ الزميل احمد الشرعبي الذي كان انذاك عضوا بحزب التجمع والمهندس المرحوم الشهيد حسن الحريبي الذي راح ضحية مؤامرة قذرة من قوى الظلام الموغلة في التأمر التي كان هدفها اسكات صوت الاستاذ الجاوي لكن الله خيب امالهم واسفرت الحادثة عن اصابة المرحوم الجاوي بجروح بينما اخترقت جسد المهندس الحريبي رصاصات الجناه الغادرة واردته قتيلا رحمه الله عليه وفي تلك الفترة تحركت كتائب القتل والاغتيالات واستهدفت عددا كبيرا معظمهم من الحزب الاشتراكي اليمني .
نظر الى الاستاذ الجاوي بضحكته المعهودة التي تحيي الامل وتبعث على الاطمئنان في النفوس وقال :”اه يا احمد جئت في وقت احنا مشغولين اسمع اسبق للبيت وانا سالحق بك يستدرك والابتسامة لاتزال عالقة بشفاهه ولا متشتيش تخسر لنا عشاء ” بالفعل في الساعة التاسعة كان المرحوم يدق الباب ومعه الشهيد المهندي حسن الحريبي لم يفوت الفرصة انطلق في الحديث بمجرد وصوله واخذ موقعه وقال :”يا سيدي كان المرحوم الشهيد الرئيس سالم ربيع علي عند موقفه وملتزم بالوعد الذي قطعه على نفسه امام اسرة وابناء الشهيد الرئيس ابراهيم الحمدي وما توعد به عقب مشاركته في تشييع الشهيد الحمدي دعني اروي ماسمعته منه.
قال : يا عمر ماحدث كان مؤامرة دولية بكل المقاييس انا ازددت اصرار على الثأر والانتقام من القتله المجرمين لا يجب ان يقتصر الثأر على الفاعل المباشر بل لابد ان يطال من امروا وخططوا وهذه دول انت تعرفها .
يتوقف الاستاذ عمر عن الكلام ويطلق زفرة قوية مضيفا اه اه يا ابن الديلمي جئت لتنكأ جروح عميقة غائره في النفس لم تندمل ولن تندمل مهما طال بي العمر سألت الرئيس سالم
كيف ستنتقم من هذه الدول الا ترى ان هناك صعوبة كبيرة تكتنف هذا الامر اجاب ونبرات الحزن ظاهرة في صوته هذا صحيح لا اخفيك كنت قد اتفقت مع الشهيد الحمدي ان نقدم على الخطوات التالية :
1- توحيد العلم .
2- توحيد شعارات الدولة .
3- توحيد السلام الجمهوري .
4- توحيد سفارات اليمن في الخارج .
5- انشأ مجلس رئاسي موحد تتم رئاسته بالتناوب وانا شخصيا ترتبت عندي قناعة تامة بان الشهيد الحمدي كان المؤهل الوحيد لزعامة اليمن الموحد كان يعرف مايريد ويحدد الاهداف السياسية التي يسعى اليها بدقة متناهية هذا مالاحظته عنه ونحن في مؤتمر دول عدم الانحياز بكولامبوا للاسف استطاعت القوى الرجعية والرسمالية الوصول الى الحمدي والوطن وكل اليمنيين كانوا بامس الحاجة اليه .
يقول الاستاذ عمر قاطعته بحده انا سألتك عن كيفيه الانتقام من دول مثل السعودية وامريكا وبريطانيا واذا بك تلقي على مسامعي اشياء سبق ان سمعتها ضحك واجاب اه اه ياعمر حتى الرفاق في الاتحاد السوفيتي افزعتهم الخطوات التي كنا ننوي الاقدام عليها المشكلة ان عملا ء الداخل توحدوا في المسارعة الى ابلاغ اسيادهم وهذا هو بيت القصيد فاذا كانت تلك الدول قد اغتالت الحمدي في اطار مخطط دولي مشبوه واستبدلوه بشخص عاجز ودخيل على الحياة السياسية فكيف سنتصرف معه من اجل هذه الغاية اقنعت الغشمي بانه لن يظفر بحب اليمنيين ولن يدخل التاريخ الا اذا مضى على نفس المسار الوحدوي ووعدته بانه سيكون الرئيس لليمن الموحد ولا زلت على اتصال مباشر معه وقد قطعنا شوط كبير في هذا الاتجاه الا اننا اضطررنا الى التأجيل عندما عرفنا ان هناك معلومات تسربت الى الخارج مما ضاعف قلق السعودية ووضعت الغشمي تحت المجهر بدعوى حمايته والحفاظ عليه من انتقام اتباع الحمدي وانا ايضا احس بان روسيا اوعزت الى بعض الرفاق بمراقبة تصرفاتي بالذات ما يتعلق باي تقارب مع الشمال لذلك طلبت من الغشمي ان نتحرك بحذر وفي نطاق محدود وقريبا ان شاء الله سأبعث اليه بالخطة النهائية للتنفيذ انتهى كلام المرحوم الرئيس الشهيد سالم لكني عرفت ما يرمي اليه فأن نجح في المسعى سيوجه ضربه قوية للدول التي شاركت في اغتيال الشهيد ابراهيم وفي كلا الحالتين النجاح او الفشل ستندفع نفس القوى الى الانتقام من الغشمي والخلاص منه وهنا يتحقق الثأر وبالفعل في ذلك اليوم ابلغ الرئيس سالمين الغشمي بانه سيوفد اليه شخص موثوق ومعه تفاصيل الا ان الطرف المترجم لارادة الاتحاد السوفيتي وجد الفرصة للخلاص من الاثنين معا الغشمي وسالمين فقام باعتقال جاعم صالح المبعوث الاصلي لسالمين واخذوا الخطة التي يحملها واستبدلوه بشخص اخر هو الذي تحدثت عنه الصحف وهو الذي نفذ مهمة الاغتيال اما جاعم صالح فقد تمت تصفيته جسديا بعد ذلك ووجدت نفس القوى الفرصة للخلاص من الرئيس الشهيد سالم ربيع علي بحجة انه اغتال الغشمي .
بعدها اصدرت بيان رسمي حملته مسؤولية اغتيال الغشمي وهكذا طويت صفحة الرئيس سالم الذي اختلفت معه كثيرا لكني اوافق راي الشارع في الجنوب بانه اصدق من حكم لانه يحمل القيم اليمنية الاصيلة لذلك حينما اطمأن الى الشهيد الحمدي اختارا طريق الوحدة والحرية وسعيا معا الى امتلاك اداه الفعل واستغلا استقلالية القرار اليمني مع اني كنت لا اتفق مع الرئيس الشهيد ابراهيم الحمدي وطالما وجهت نقدا لاذعا الى السياسية التي كان ينتهجها خاصة المواقف الارتجالية والخطوات غير المدروسة مع ذلك ارى ان القوى الرجعية المعادية لليمن والدوله سددت ضربة قوية الى خاصرة الوطن فاعادت البلاد الى الوراء نصف قرن من الزمان كان الظرف التاريخي معقد تكتنفه الحساسية مما جعل الحمدي صمام امان خاصة بنزعته الاستقلالية وحماية السيادة الوطنية بما في ذلك اصراره على اعاده تحقيق وحدة الوطن كاغلى هدف يسعى اليه كل يمني مخلص صادق الانتماء للوطن “انتهى كلام الجاوي” .
- المرحوم عبد العزيز عبد الولي
في ذات السياق قال الاستاذ عبد العزيز عبد الولي وزير التخطيط والتعاون الدولي في الشطر الجنوبي سابقا بعد سماع كلمة الغشمي التي افتتح بها المؤتمرالاول للتنمية الذي عقد في صنعاء في شهر فبراير 1978م وكانت الدعوة لحضوره قد وجهت من قبل الرئيس الحمدي وكان المفترض ان يحضره رؤساء دول وشركات كبرى الا انهم اعتذروا عن الحضور اقتربت من الرجل سالته باعتباره رئيس وفد جنوب الوطن كيف تقيمون نتائج اليوم الاول من المؤتمر وعن مستوى الحضور التفت الى وهو يضحك كنت قد تعرفت عليه في منزل الاستاذ المرحوم محمد عبد الوهاب جباري وفي منزل الاستاذ المرحوم عبدالله حمران قال اسأل الاخ محمد يقصد الاستاذ محمد سالم باسندوه وزير التخطيط في الشمال انذاك انحنى وهمس في اذني تقل الغشمي سيستمع الى كلامه عندما يعود الى البيت لو فعل ذلك لعرف حجم الكارثة التي ارتكبها في حق اليمن الى متى سيظل موال الاغتيالات والسحل يجهض الاحلام حتى البسيطة الان افتح آلة التسجيل واضاف اتدري لماذا قلت اسأل الاخ محمد لاننا حضرنا معا الاجتماعات السنوية للبنك وصندوق النقد الدوليين كان الوزراء يخلطوا بيني وبينه وكلهم يعتذرون عن حضور المؤتمر ويعلنون صراحة ان حادثة اغتيال الحمدي والاسلوب البشع في اقتراف الجريمة افزع دولهم قبل القلق والحسرة على المستوى الشخصي ولايخفون بان الصورة التي استطاع الحمدي ترسيخها في اذهانهم خلال فترة حكمة القصيرة لوثها الدم وتشوه بريقها ومن الصعب ان يعود ذلك البريق خلال فترة زمنية منظورة اي اني والاخ محمد سالم عشنا لحظات صعبة وسمعنا من الكثير مبررات الاعتذار عن الحضور وهذا فقط ما اسعفتني به الذاكرة لايمثل 40% من الكلام الجارح وكل عبارات اللوم والعتاب التي استمعنا اليها كادت تحدث بيني وبين وزير المالية السعودي محمد ابا الخيل مشادة اثناء ردي على استفسار وزير الاقتصاد الهندي اقترب منا الوزير السعودي قلت وانا اضحك اذا اردت الحقيقة كاملة ستجدها لدى هذا فهو وبلاده مسؤولين بشكل مباشر عن الجريمة النكراء اكفهر وجه الوزير ابا الخيل ورد بكلمات نابية لم اقوى على تحملها تحركت باتجاهه لتأديبه الا ان الدكتور الوزيرالعمادي وزير الاقتصاد السوري شدني بعيدا وقال لا تأبه بكلامه كلامك اثر فيه لانه كان القشة التي قصمت ظهر البعير فلقد تعرض لاسئله جارحة وهو يحاول الدفاع عن بلده ويقسم ايمان مغلظة ان بلاده ليست ضالعة في حادث اغتيال الرئيس الحمدي وان ماجرى شأن يمني لا علاقة لبلاده به لكنه فشل تماما في اقناع كل من سأله من وفود معظم الدول كانت كلماته تقابل بالازدراء والسخرية حتى من السيد مكنمارا رئيس البنك الدولي الذي ستنتهي ولايته لانه كان عائد للتو من اليمن والتقى الشهيد الحمدي واعجب بثقافته واتساع افقه لذلك جاء كلامك والرجل على اعصابه مما جعله يفش غله فيك ارجوك تحلى بالصبر حتى لا تتحول الى موضوع للتندر وافقت الصديق الدكتورالعمادي وانسحبت من المكان وخاطبني قائلا : يكفيك ما اسلفت الان دعونا للغداء يستدرك قائلا :صدقني لو ان المجرمين تركوا الحمدي يعيش حتى انعقاد هذا المؤتمر لكان الحضور اكبر وعلى درجة عالية من الاهمية لا ابالغ اذا قلت انه كان سيمثل اعظم ظاهرة تشهدها المنطقة في الزمن الراهن .
- السعودية قررت الخلاص من الغشمي
هناك معلومة غاية في الدقة والاهمية تقول ان السعودية كانت قد اتخذت قرار الخلاص من الرئيس الغشمي وانها كانت قد استدرجت المقدم علي عبدالله صالح واصبح رجلها الاول بدلا عن الغشمي وهو ما اثار شكوك الغشمي ورغم ان صالح كان يقوم بمهام ومسؤوليات كبيرة الا ان الغشمي لم يسند اليه أي مسؤولية كانت تصرفات صالح اكثر من غريبة يتصرف ويصدر التوجيهات كأنه الرجل الثاني بعد الغشمي الا ان المنصب المرادف لاسمة ظل نفسه قائدا للواء تعز كما كان وضعه قبل الانقلاب فالرجل كان يلعب دور الغشمي في زمن الحمدي في غضون ذلك تفيد الرواية ان صالح كان سيتولى الخلاص من الغشمي في حال فشل المندوب القادم من الجنوب اذا صدقت المعلومة السابقة فانها تفسر سبب صعود صالح المباغت الى واجهة الاحداث والوصول الى رئاسة الجمهورية .
- السعودية توظف المال والقوة لفرض صالح في الرئاسة
طالما اننا بصدد اجلاء الحقيقة واثباتها لذاتها مهما بلغت مراراتها او تعارضت مع الرغبات والارادات المجافية لمضامينها الصادقة فان الامر يتطلب التعاطي بوعي ومسؤولية وتجرد في هذا الصدد اجد من الاهمية بمكان توضيح الصورة عن نقطة هامة تتعلق بصعود الرئيس الاسبق علي عبدالله صالح الى السلطة بعد اغتيال الغشمي لان هذه النقطة ظلت تطرح في وسائل الاعلام المحلية وانتقلت الى الاعلام الخارجي ومفادها ان السلطة فرضت على الرجل فرضا وانه الوحيد الذي قبل بتحمل المسؤولية في تلك الظروف الصعبة وان قبوله بالمنصب كان تضحية وبطولة نادرة لانه حمل رأسه في يدة وقبل بالمهمة هذا الكلام ظل المواطن اليمني يستمع اليه ثلاثة عقود من الزمن ولايزال البعض يردده ومقتنع بمصداقيته بل ويتصدى للدفاع عنه كمسلمة من المسلمات التي لاتقبل التشكيك والنقاش .
الحقيقة اني اتحدث عن الموضوع كشاهد اثبات حضرت سيناريوهات التنصيب وما سبقها من كولسه والدور الذي لعبه الملحق العسكري السعودي صالح الهديان لانجاز مهمة التنصيب من خلال المرور على اعضاء مجلس الشعب التأسيسي في نفس الليلة التي سبقت مسرحية الانتخابات وكان عددهم 56 عضوا قبل توسيع العضوية لم يستثني من العدد سوى خمسة اعضاء كما اوضح لي ذلك عبد الرحمن مهيوب امين سر القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي قطر اليمن وقد وصف العملية بانها تمت بطريقة ساذجه جدا ومكشوفة ومما اشتمل عليه السيناريو الذي تولى الاشراف المباشر عليه الملحق العسكري السعودي بصنعاء صالح الهديان بما في ذلك الزيارة الليلية الى منازل معظم الاعضاء وتسليم المبالغ النقدية كرشوة لحسم الامر بسرعة والتصويت لصالح علي عبدالله صالح ،وفي صباح اليوم التالي عقد المجلس جلسته التي بدأت بكلمة للقاضي المرحوم عبد الكريم العرشي الذي تحمل مسؤولية البلاد لمدة 21 يوما عقب اغتيال الغشمي بعكس الاخبار التي روجت في الشارع وافادت بان القاضي خاف وانصاع لرغبة اسرته واخافته دموع بناته اللاتي ودعنه بالنحيب وطلبن منه عدم الترشح بعكس هذه الاشاعات الزائفة فقد القى كلمة رصينة ضمنها ترشيح نفسه واستعداده لتحمل المسؤولية وناشد الاعضاء بان يحسنوا اختيار الشخص القادر على تحمل الاعباء المسؤولية واخراج البلاد من المأزق الخطير الذي ترزح في ظله هذا الكلام بادر احد الاعضاء فابلغه الى صالح مما اضطره الحضور الى المجلس وانتظار القاضي في فنائه خاطبه بلهجة حادة عاتبه فيها على الكلمات التي وردت في خطابه واعتبرها تعريضا به وقال كما وعدت ستظل على راس هذا المجلس والرجل الثاني في الدولة بعد ان نطق هذه الكلمات غادر المكان وبالفعل عقد المجلس جلسة صورية للاختيار ملتزما بنتائج الكولسه المسائية التي كان الرئيس صالح قد استبق الاحداث باستدعاء الاستاذ علي العلفي رئيس تحرير صحيفة الراي العام والاغداق عليه بمبلغ مالي مجزي وطلب منه اصدار الصحيفة في وقت مبكر صباح اليوم التالي يتصدر خبر انتخاب المجلس العقيد علي عبدالله صالح وبالفعل قبل ان يصل الاعضاء الى المجلس ويلتئم الاجتماع وزعت الصحيفة يتصدرها مانشيت عريض يقول : مجلس الشعب التأسيسي ينتخب صباح اليوم العقيد علي عبدالله صالح رئيسا للجمهورية وقائدا عاما للقوات المسلحة بالاجماع وفي تفاصيل الخبر نبذه تعريفية عن الرئيس الجديد، وهنا ملاحظة كان العرشي في فترة ولايتة قد اتخذ قرارين فقط الاول : قضى بتعيين علي عبدالله صالح نائبا للقائد العام ورئيسا لهيئة الاركان .
والثاني : ترقية صالح الى رتبة عقيد .
مما جعل مراسلي الصحف ووكالات الانباء الاجنبية تهتم بالصحيفة وتنقل الخبر عنها قبل اعلانه رسميا من وكالة سبأ للانباء المصدر الرسمي للاخبار مالم ينتبه له المرحوم العلفي او من صاغ الخبر ان هناك مفاجئات ستحدث وتمثلت في رفض الاستاذ محمد عبد الرحمن الرباعي وعدم التصويت اضافة الى ان المرحوم علي سيف الخولاني امتنع عن التصويت هذا ماحدث بالفعل وكنت شاهد اثبات عليه كوني مراسل وكالة الانباء اليمنية “سبأ”في المجلس وانا من اكدت للصحفيين صحة المعلومات المنشورة في صحيفة الراي العام باستثناء رفض الرباعي وامتناع الخولاني وقد شكل نقطة ايجابية هامة جعلت وسائل الاعلام الاجنبية تركزعليها اكثر من الخبر ذاته وموقف الرفض دفعه الرباعي غاليا وبلغ العقاب ابعاده عن المجلس بتعيينه سفيرا لليمن في مملكة هولندا لانه لم يكتف برفض التصويت لكن مواقفه وافكاره المتسمة بالصراحة والوضوح ظلت مثار قلق وازعاج للقيادة السياسية خاصة ان معه عدد من المسؤولين في الدولة والقوى الوطنية كانوا قد اتفقوا على مشروع وضع الاطار العام للدولة بما يساعد اليمن على الاستقرار واستكمال البناء المؤسسي للدولة وكان اكثر ما اغضب الرئيس علي عبدالله صالح في المشروع الفقرة التي طالبت بالفصل بين مؤسسة الرئاسة والقوات المسلحة والامن واقترحت انشاء وزارة للدفاع وتعيين وزير قادر على تحمل اعباء المسؤولية الموقف ازعج الرئيس علي عبدالله صالح سمعته منه شخصيا فقد نقل اليه المرحوم الدكتور عبدالله بركات الوثيقة وهي لاتزال بخط اليد وفي اليوم التالي كنت في مقيل الاستاذ حسين عبدالله المقدمي في القرية واذا بالرئيس صالح يتصل به ويعاتبه عتابا قاسيا لان الاجتماعات تمت في منزله وهو ماجعله يقول انت وطني مخلص كيف تسمح للرباعي والفسيل يزيدوا عليك وكلام لاداعي لذكره المهم ان المرحوم صالح استاء ورفض المشروع واعتبره مؤامره ضده .
اقتضى السياق التطرق الى هذه المعلومة لتوضيح الحقيقة التي سبق ان نشرت بعضها في صحيفة الثورة ولم ينكرها او يعترض عليها احد حتى الرئيس صالح وهناك معلومات مكملة للرواية من يرغب الاطلاع عليها موجودة في الجزء الثاني من مذكرات المرحوم الشيخ عبدالله بن حسين الاحمر .
ساعود الى المعلومة الاخيرة التي اججت العداء بين الرئيس والاستاذ الرباعي الى ان تم اقصائه الى هولندا هذا الامر مبعثه ثقافة الكيد وتأويل النصوص وفقا للاهواء وقدرات الفهم لا لشي ء فقط لانها صدرت عن خشية المعارضين بالذات من كانوا على صلة بالاخوان المسلمين ان يحظى الموقعين على الوثيقة باهتمام الرئيس فيكونوا سبب للانقلاب عليهم ومنعهم من تحقيق المكاسب التي يتطلعون اليها .
اخيرا ارجو ان اكون قد وفقت في ازالة الغموض عن ذلك الحادث المؤلم واعتذر من كل من وردت اسماؤهم سلبا او ايجابا واتمنى لوكان لدى احدهم تصحيح لمعلومة او اضافة جديدة ان يتواصل معي وانا على استعداد لتصحيح أي خطأ والاعتذار البالغ لكل من يحس اني ظلمته وساكون شاكرا له واتعهد بانزال أي ملاحظة في طبعة جديدة في نفس الكتاب الذي انوي انزاله ،واخيرا ارجو ان يرتقي الجميع الى اعلى مستوى من الوعي والشعور بالمسؤولية تجاه الوطن من خلال تصحيح المفاهيم وعدم السماح لكل ظواهر الشك والريبة ان تنتقل الى الاجيال القادمة لانها ستمثل عامل ارباك واحباط وقد تؤدي الى عواقب وخيمة اذا تأججت في النفوس واججت رغبات الثأر والانتقام لاسمح الله خاصة عندما تتحول الى افكار وقناعات ممنهجة لاستهداف الواقع .
واختم بقول الخالق سبحانه وتعالى :
قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)