السياسية - تقرير :

لا يكتفي العدو الإسرائيلي بقتل وتجويع وحصار الإنسان الفلسطيني، بل يلاحق اسم المحفور على الحجر وصورته المعلقة في الساحة وذاكرته الحية في وجدان شعبه.

واللافت هو تصاعد أعمال استهداف النصب الوطنية الفلسطينية من قبل العدو الإسرائيلي وصولًا إلى تسجيل 26 اعتداءً منذ بداية العام ،منها سبعة اعتداءات خلال أمس.

وطبقًا لمراقبين، فإن ما يجري اليوم في نابلس وقلقيلية ورام الله وجنين والقدس ليس مجرد هدم لنصب إسمنتية، بل هو فصل جديد من فصول الحرب الشاملة التي يشنها العدو على الوجود الفلسطيني، حرب تمتد من الأرض إلى الذاكرة، ومن الجسد إلى الرمز.

بل يعتبرون أن استهداف نصب الشهداء وصروحهم التذكارية يكشف عجز آلة القمع العسكرية الصهيونية عن كسر إرادة الشعب الفلسطيني ومقاومته، فالاحتلال الذي فشل في إطفاء جذوة المقاومة، يحاول أن يمحو شواهدها، ظناً منه أنه بإزالة الاسم سيُنسى الفعل، وبتهديم الحجر سيُمحى أثر التضحية. وهي محاولة عبثية، فالشهداء ليسوا حجارة في الميادين، بل هم عقيدة راسخة في قلوب الأجيال، وكل نصب يهدمه العدو يتحول إلى مئات النصب في وعي الشعب الفلسطيني، ويمنح الذاكرة ذاكرة جديدة من الصمود والتحدي.


وفي هذا السياق، هدمت قوات العدو الإسرائيلي نصباً تذكارية وطنية فلسطينية تحمل رموزاً فلسطينية وأسماء شهداء في مدينتي نابلس وقلقيلية شمال الضفة الغربية المحتلة، في اعتداء جديد يستهدف الرموز الوطنية.

وأفادت مصادر محلية، بأن عمليات الهدم طالت نصباً تذكارية في قرى عزموط وروجيب وعراق بورين وبيت فوريك ومادما وبيتا في نابلس، كما هدم جيش العدو ميدان الشهداء في بلدة كفر قدوم شرق قلقيلية. وتأتي هذه الاعتداءات في سياق سياسة ممنهجة لتحويل الفضاء العام الفلسطيني إلى ساحة لطمس الهوية.



حصيلة تصاعدية منذ مطلع العام

وكشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عن تصاعد لافت في استهداف النصب التذكارية والرموز الوطنية الفلسطينية، إذ ارتفعت حصيلة الوقائع الموثقة منذ مطلع عام 2026 إلى 26 اعتداءً حتى 27 اكتوبر، (منها 7 اعتداءات خلال أمس الثلاثاء)، مع تركز واضح في محافظة نابلس وامتداد الاستهداف إلى محافظة قلقيلية.

وأوضحت الهيئة في تقرير لها نشر، الليلة الماضية، أن هذه الاعتداءات لا تعكس أعمال هدم وتخريب معزولة، بل تشكل نمطاً متكرراً يستهدف معالم الذاكرة الوطنية الفلسطينية في الساحات العامة ومداخل البلدات والقرى والمخيمات.

وفي تقرير مفصل صدر في 20 اكتوبر 2026، كانت الهيئة قد وثقت 18 اعتداءً حتى ذلك التاريخ، منها 16 واقعة استهدفت نصباً وصروحاً تذكارية، وواقعة طالت ضريحاً، وأخرى استهدفت جداريات لشخصيات فلسطينية.

وأكدت الهيئة، أن خطورة هذه الممارسات تتجاوز تدمير النصب بصفتها منشآت مادية، إلى محاولة فرض السيطرة على الذاكرة الجمعية وإعادة تشكيل المشهد البصري الفلسطيني وفق رواية العدو، معتبرة أن استهداف أسماء الشهداء وصورهم يمثل امتدادا لسياسات السيطرة على المكان بأدوات رمزية تستهدف علاقة المجتمع بتاريخه وهويته.



من الجامعة إلى المخيم..

توزعت الاعتداءات جغرافياً حتى تاريخ 20 أكتوبر بشكل يكشف شمولية الاستهداف، حيث تصدرت نابلس السجل بست وقائع، تليها رام الله والبيرة بأربع، ثم القدس بثلاث، والخليل وجنين بواقعتين لكل منهما، وطولكرم بواقعة واحدة متعددة المواقع، وفق ما وثقته هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

أما الجهات المنفذة، فيظهر الدور المباشر لجيش العدو الذي نفذ 13 واقعة، مقابل ثلاث نفذها مستوطنون، وواقعتين نفذهما مستوطنون بحماية الجيش، إحداهما بمشاركة عضو الكنيست المتطرف تسفي سوكوت في قرية مادما جنوب نابلس في 25 أغسطس الماضي، حيث نشر على حسابه في منصة "إكس" صورة له وهو يحطم النصب بمطرقة كبيرة بحضور جنود العدو.

وبرز شهر اكتوبر كذروة للاعتداءات، بتسجيل 17 واقعة خلال 27 يوماً فقط، طالت جامعة بيرزيت ومخيم الجلزون وقرى أبو فلاح والريحان والسيلة الحارثية ويعبد والجلزون وبرقة.

ففي 5 اكتوبر، اقتحمت قوات العدو حرم جامعة بيرزيت برفقة نحو عشر آليات عسكرية وجرافة وهدمت "صرح الشهداء" الذي يحمل أسماء طلبة قتلوا برصاص العدو، وهو ما اعتبرته الجامعة في بيان لها "استهدافاً مباشراً لذاكرة الجامعة وشهدائها وانتهاكاً للقانون الدولي".

وفي طولكرم، طال التدمير في 4 أغسطس نصب جورج حبش وزياد دعاس ونصب الشهداء ومعالم أخرى، مع تخريب صور في كفر اللبد وشويكة، وفي القدس شمل الهدم صرح شهداء مخيم قلنديا ونصب عرفات داود عند مدخل بيت دقو ونصب شهداء مخيم شعفاط.



حرب على الوعي تتجاوز الحجر

وفي تعليقه على هذه الاعتداءات، أكد عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية واصل أبو يوسف، أن هدم "صروح الشهداء" وإزالة الرموز المرتبطة بهم يندرج في إطار محاولات النيل من تضحيات الفلسطينيين وكسر إرادتهم، وربط ذلك بما وصفه بـ "العقاب الجماعي ومحاولات فرض واقع الاحتلال على الأرض الفلسطينية"، معتبراً أن الاستهداف لا يقتصر على إزالة معالم مادية بل يمتد إلى المساس بما تمثله من تضحيات في الوعي الفلسطيني.

من جانبه، قال أستاذ التاريخ في جامعة النجاح الوطنية عدنان ملحم ، في حديث لوكالة "الأناضول"، إن الحرب "الإسرائيلية" على الفلسطينيين في غزة والضفة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل محاولة التأثير في الوعي الوطني وإضعاف ارتباط الناس بقضيتهم وأرضهم.

وأضاف: "الحرب الحالية هي في حقيقة الأمر حرب على الوعي الفلسطيني والوعي الوطني، وعلى التصاق الناس بقضيتهم وأرضهم ووطنهم"، متسائلاً: "ما الذي يخيف جيشاً مدججاً بالسلاح من اسم محفور على حجر؟".

وأشارت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، إلى أن النصب والصورة والجدارية تؤدي وظيفة أرشيف مفتوح، يتيح تداول الذاكرة خارج الكتب والمقار الرسمية، فالسكان يقرؤون الأسماء أثناء استخدام المكان وينقلون حكاياتهم إلى الأطفال. وعندما يهدم المعلم، تتضرر إحدى الوسائل التي تحفظ بها الجماعة استمرارية الحكاية. ويمكن قراءة هذا الأثر ضمن ما وصفته الهيئة بـ "الاحتلال البصري للفضاء الفلسطيني"، حيث تخضع العلامات التي تعبر عن الهوية لتدخل عسكري، من خلال طلاء لافتات بألوان حمراء أو سوداء وكتابة أسماء بالعبرية ورفع أعلام "إسرائيلية" في الميادين الفلسطينية.



يهدمون نصب الشهداء أيضاً

من جانبها ترى الكاتبة ريما كتانة نزال، أن تدمير النصب هو محاولة لكيّ الوعي وإخضاع علاقة الفلسطيني برموزه للعقاب، ورسالة للأحياء بأن الاحتلال يستطيع الوصول إلى ضمائرهم. لكنها تؤكد أن هذه المعركة تمنح الذاكرة ذاكرة جديدة، فالشاهد قد يتحطم لكن حكايته تُروى من جديد مع حكاية تحطيمه، وتدمير النصب يعيد للشهداء فردانيتهم وتفردهم.

وتدعو نزال في مقال منشور في وكالة "وطن" الفلسطينية بعنوان "يهدمون نصب الشهداء أيضاً"، إلى أن ترافق إعادة البناء حماية أوسع للذاكرة عبر توثيق كل نصب قبل هدمه وبعده وحفظ الأسماء والسير وشهادات العائلات، مشددة على أن صمود الفلسطينيين لا يجب أن يتحول إلى ذريعة لتركهم وحدهم في متوالية الهدم والبناء، وأن صحوة العالم يجب أن تُقاس بما يفعله لمنع تكرار الجريمة لا بعدد عبارات الأسف.


سبأ