السياسية || محمد محسن الجوهري*

لا يمكن فصل ما يحدث في فلسطين عمّا يحدث في عالمنا العربي؛ ففي كل قطر عربي يرتبط القرار والمصير ارتباطاً مباشراً بالعدل والحق في فلسطين. فهناك، زرع الأعداء - الإقليميون والدوليون برعاية بريطانيا سابقاً والولايات المتحدة لاحقاً - أنظمة مستبدة مرتبطة بهم وبمصالحهم الذاتية. وتتجلى هذه الحقيقة تاريخياً بدءاً من رسم الحدود وتقسيم النفوذ عبر اتفاقية «سايكس بيكو» (1916)، وصولاً إلى إرساء معادلة «النفط مقابل الحماية» في ميثاق «كوينسي» (1945)، الذي كَرَّس التبعية للهيمنة الأمريكية. فالأنظمة في دولنا وعالمنا إنما هي أنظمة مطبّعة ومرتبطة وجودياً بهذه المنظومة.

وقد أدرك المستعمرون مبكراً أن إدارة الأنظمة الاستبدادية هي الأساس والأضمن لمصالحهم؛ لأنها الأكثر قمعاً للشعوب، وبما يضمن سلب تلك الشعوب حريتها وإرادتها في المطالبة بحقوقها العادلة، وفي مقدمتها تحرير فلسطين. فالإرادة الحرة والدفاع عن فلسطين لا ينشآن إلا في بيئة حرة، وهو ما تجاوز الخصوم حسابه سلفاً عبر تولية أنظمة مستبدة تكتم أنفاس الأمة. ويظهر هذا الجدار العازل جلياً في تجريم التظاهر والتعبير عن التضامن مع غزة، وملاحقة المغردين والنشطاء، فضلاً عن إجهاض التجارب الديمقراطية كما حدث في فرض الحصار على غزة عقب الانتخابات الديمقراطية عام 2006.

إن الأنظمة المستبدة في هذا العصر بالذات تتقاطع بصورة كاملة مع الصهيونية العالمية وهيمنتها؛ فكل نظام استبدادي بات رهيناً لهذه المنظومة. وتتجلى هذه الحقيقة في إبرام «اتفاقيات أبراهام» (2020) بمعزل عن الإرادة الشعبية، واستعانة هذه الأنظمة بتقنيات وتجهيزات أمنية واستخباراتية صهيونية - كبرامج التجسس والملاحقة - لمعاقبة المعارضين وحماية كراسي الحكم. وبناءً على ذلك، فلا شرعية لهذه الأنظمة الاستبدادية تماماً كما أنه لا شرعية للكيان الصهيوني؛ إذ إن شرعية الاستبداد باتت مستمدة ومستعارة من شرعية وجود الكيان نفسه.

ومن هنا، تصبح الثورة على الأنظمة المطبّعة وتغيير منهجها شرطاً شارحاً ولازماً للوصول إلى تحرير فلسطين؛ فتحرير فلسطين يبدأ أولاً بفك التبعية والإغلاق الذي تفرضه هذه الأنظمة على الحدود والمعابر والتنسيق الأمني. ويعلم الغرب والصهاينة جيداً أنه لو تُرك المجال لحرية الشعوب العربية، لاتجهت بوصلتها مباشرة وبشكل تلقائي نحو اقتلاع الاحتلال الجاثم على جسد الأمة.

إن كل نظام مستبد في العالم العربي يشكل حلقة في سلسلة حماية الكيان الإسرائيلي ومنع الأمة من النهوض. وتبرز في صدارة هذا المشهد الأنظمة الخليجية - وفي مقدمتها النظام السعودي - باعتبارها الراعي الأساسي لمنظومة الاستبداد في المنطقة، حيث عملت على إجهاض التطلعات الشعبية والتصدّي للحراك التحرري، كما ظهر في قمع حراك البحرين (2011) بإنزال قوات «درع الجزيرة»، وضخ المليارات لدعم الثورات المضادة وإعادة إنتاج السلطوية.

ولعل أكبر دليل على هذه الشراكة هو ازدواجية المعايير الغربية؛ حيث صمت المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، وجمعيات حقوق الإنسان عن المجازر والانتهاكات الحقوقية والسجون السياسية في الدول الحليفة والمطبّعة، في حين أُحيطت تلك الأنظمة بالغطاء السياسي والدعم العسكري طالما أنها تؤدي دورها في حماية الحدود والمنظومة القائمة.

إن المعركة من أجل فلسطين ليست مجرد نزاع جيوستراتيجي محصور في جغرافيتها، بل هي كاشفةٌ لطبيعة موازين القوى في المنطقة برمتها. لقد أثبتت الوقائع التاريخية والسياسية أن الارتهان للهيمنة الخارجية والتطبيع مع الاحتلال لم ينتجا سوى مزيد من سلب الإرادة الشعبية وتعميق الاستبداد. ومن هنا، فإن استعادة الأمة لقرارها السياسي وحريتها المسلوبة تمثل المدخل الأساسي والأول للنهوض والتحرر الشامل؛ إذ إن تحرير الإرادة الوطنية والشعوب هو الحجر الزاوية الذي تبنى عليه أي إستراتيجية حقيقية لإعادة الحقوق لأصحابها، وتجاوز حالة التبعية، وبناء مستقبل يقوم على العدل والسيادة والمصير المشترك.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب