السياسية || محمد الفرح*

من قال إننا نحارب النقد البنّاء ونرفض النصيحة؟
ومن قال إن الشعب غير جائع، بعد أن تعرّض للحصار لمدة 12 عامًا، وقطعت السعودية كل أرزاقه ومرتباته، ودمّرت موارده الاقتصادية، وعزلته عن ثرواته؟ فمن الطبيعي أن يقول أي مواطن: أنا جائع.

الشيء الآخر هو أن صنعاء تتقبل النقد بكل رحابة صدر، وتستفيد من النصيحة، وتتجاوب مع الرؤى التي تُقدَّم في حدود قدراتها وبحسب الممكن.
وأي نقد يُوجَّه اليوم يُحسب لصنعاء؛ فهي بلد الحريات، لا تغتال المعارضين، ولا تقتل خطباء الجوامع، ولا تضع العبوات الناسفة في طريق من ينتقدها، ولا تعدم الأطفال، ولا تقطع رقاب العلماء، كحال السعودي ومن يتبعونه في اليمن.

الشيء الذي ترفضه صنعاء هو شق الصف وتنفيذ أجندة العدو.
فالناس ليسوا أغبياء إلى درجة ألا يفرّقوا بين النقد البنّاء وبين تنفيذ سياسات اللجنة الخاصة السعودية.

مشكلة البعض أنه يريد أن تسير الدولة والقيادة والأمن وفق مزاجه وعلى هواه، ودون ذلك سيستغل جوّ الحرية؛ ليس للنقد فحسب، بل يسب ويشتم، ويحرّض ويتذمر ويتعقد.
وهذا النوع، إذا كان صادقًا، يجب أن يتفهم الوضع والواقع، ويدرس أي قضية بكل اعتباراتها، ولا يقيّم الواقع من زاوية واحدة، وفق مقاربته هو.

مشكلة البعض أيضًا هي كثرة التوهّم، والغرق في الذات، إلى درجة التخبط، فلا يُفهم ماذا يريد، وما هو مشروعه بالتحديد: هل يبحث عن إعجابات؟ هل يبحث عن مقام معنوي أو موقع في السلطة أو مال؟ أم أنه لا يهدأ إذا لم يكن هناك ضجيج يصنعه؟ أم أنه يريد أرباحًا؟ أم ماذا؟

وهذه مشكلة نفسية إيمانية في البداية، وعلاجها في الرجوع إلى هدى الله، وتصحيح علاقته بالله، والتوجه بعمله إلى الله بإخلاص. والله سبحانه وتعالى هو من يرفع، وهو من يوفّق، وهو من يرزق، ويجعل مع العسر يسرًا، إذا كان الإنسان معتصمًا بالله ومعتمدًا عليه، وذاكرًا لله وراغبًا فيما عند الله، وهمّه وهدفه كل ما يرضي الله.
وهو القائل لرسوله، صلوات الله عليه وعلى آله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ۝ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ۝ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَب﴾.

عمومًا، مهما كان هناك من اختلاف داخلي، سواء داخل صنعاء أو حتى مع بقية اليمنيين، فجميع هذه الاختلافات يمكن أن تُحل بالتفاهم والحوار، وما يجمعنا أكثر مما يفرّقنا، وهو الشيء الذي سيصل إليه كل اليمنيين في النهاية.

مشكلتنا الكبرى اليوم تتلخص في مواجهة العدو السعودي، الذي يريد أن يبتلعنا جميعًا، ويسعى لإحتلال بلدنا للأسف، بأيدي يمنيين، ويحوّل اليمن إلى مجرد تابع ذليل لعبيد الأمريكيين، ليكون يومًا يمنًا مطبّعًا، يمنًا إسرائيليًا، يمنًا مهمته إصدار البيانات المؤيدة لسياسات السعودية؛ الخائنة للأمة.

وعندها لن يبقى أمام النقد سوى السيف والإعدام، فالسعودي لن يسمح بمجرد الهمس.

ومن يتحرك لإثارة البلبلة فيما يخدم السياسات السعودية، بالتأكيد هو يقبض منها المال، فلا احد غيرها تسعى لتوتير الوضع وخلق حالة من الاضطراب الداخلي وتأزيم الأمور، ومحاولة استقطاب أي صوت نشاز.

وبالمناسبة، السعودية لا يعجبها الرجال الصادقون والمخلصون والأحرار؛ هي ترتاح لأمثال هؤلاء الذين نراهم يلتحقون بها من أراذل الناس.

وأتحدى أن هناك يمنيًا يتمتع بكامل كرامته، ويرفض المصالح على حساب القيم، يمكن أن يساير السعودي ولو لمدة ساعة واحدة في سياساته الإجرامية تجاه اليمن.

حتى ما يحصل من ملاسنات إعلامية من فلان أو علان، الذباب السعودي هو من يضخّمها ويجعل منها أمورًا كبيرة، وإلا فهي أمور لا تستحق.

الذباب السعودي هو من يسمّي أي تافه وخائن يهرب إلى السعودية "قياديًا"، مع أنهم أشخاص لا قيمة لهم.
ولو كانوا فعلًا قادة أو أحرارًا، لكانوا في الصف المواجه للمحتل.

ختامًا، أنا أوجّه نصيحتي، النصيحة الأخوية، نصيحة المحب، إلى كل من يعتبر نفسه مجاهدًا في سبيل الله: أن يستشعر هذه النعمة الكبيرة، وأن يستفيد من الحرية، من مناخ الحرية الموجود، فيما يخدم الحرية العامة، وفيما يحقق الخلاص والحرية لكل اليمنيين من المحتل السعودي.

وأن نستشعر نعمة القيادة التي منَّ الله بها علينا، برحمتها وحرصها علينا، وبإخلاصها لشعبنا، وبالحب الذي تحمله لشعبها. لم نجد يومًا أن قائدنا تلفظ بكلمة واحدة من أجل مصالحه، ولم نجد يومًا منه شيئًا ذاتيًا يخدم قرابته وأبناءه.

قائدنا من بين كل قادة العالم، والوحيد الذي لا يمتلك أرصدة ولا بيوتًا ولا عقارات؛ كل همه خدمة هذا البلد، وتحقيق مصالح هذا البلد، وتحريره من المحتل، وخدمة القضايا الكبرى لهذه الأمة.

يجب أن نشكر الله على هذه النعمة، وأن ننظر إلى حال غيرنا ممن يعيشون الإذلال والأزمات والجوع والإهانة، وهم تحت مظلة الاحتلال.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب