السياسية || علي مجمل حمزة*
لقد أصبح المواطن العربي حديث نفسه، فلم يعد هناك حاجة لتوعيته أو للتوضيح له عن مجريات الساحة المحيطة به، من سياسة إلى إلهاء ومسخ للفطرة السوية وتسخير حالته لتشكيل انقسامات مجتمعية يحددها اهتمامه؛ فالواقع اليوم يفرض نفسه بوضوح تام، ولم يعد هناك مجال للمناطق الرمادية: إما حق بيّن، وإما باطل فاضح. فهناك من يريد العيش دون اتخاذ موقف أو الاعتراض على تدهور حالته، فقط اسمع وأطع وتنعم في ملذات الترفيه، وغير ذلك مما لا يرضى عما يحصل من حوله من مسخ للفطرة البشرية في التعاطف لوضع الأمة ومن انبطاح المجتمعات، ولكنه لا يقدر على شيء للقيود التي حوله.
وهناك من يتفكر في واقعه وواقع أمته ويسعى إلى جانب من أرادوا أن يغيروا هذا المستنقع الوهمي من تدجين العقول ووهم الحياة المثالية المبنية على السمع والطاعة في غير ما يرضى الله، وهم من يحسون بأوجاع الأمة الإسلامية. وكما قال الله تعالى في وصف حال المستضعفين: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} [النساء: 98].
ولو أسقطنا هذه السرديات على الواقع، سنجد أن أكبر واقع منذ بداية السيطرة على أرض فلسطين إلى أن وصل لهذا الانهيار، وبسبب سكوت الشعوب ورضوخها لمن يحكمها بالعصا والجزرة... ماذا بعد؟
المجتمعات العربية انقسمت إلى:
الأناني: من اكتفى بالدعاء وهو متنعم بالأمان.
المضحي: من عليه الحرب والحصار، ممثلاً بمحور المقاومة. وتحقق فيهم قول الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
وهذا كله ولا زالت المجازر اليومية على أهل غزة في فلسطين؛ وذلك بسبب إقحام محور المقاومة في حروب يدافع فيها عن نفسه وهو محاصر باتفاقيات وهمية لعدم التدخل لنصرة الشعب الفلسطيني، رغم أن كل هذا بدأ من أجلهم ولن ينتهي حتى يأخذوا حقوقهم الإنسانية ويكون حكمهم بأيدي شعبهم.
وعليه، فإن الأمة بين خيارين لا ثالث لهما:
نصرة محور المقاومة بالقول والعمل، التزاماً بقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].
أو السكوت وعدم التفاعل، والذي سيدفع الجميع ثمن هذا التجاهل في واقعهم المعيشي بسبب الفساد الأخلاقي الواصل لكل بيت، مصداقاً لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25].
الخلاصة: لا يوجد مستحيل، فقط حرر نفسك ستجد الطريق، فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كما وعد في كتابه العزيز: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. فهذه شعوب عرفت طريقها وواجهت واقعها وأصبحت جبهة في وجه الأعداء ودحرهم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب