مبارك حزام العسالي*


قبل زهاءِ عام من اليوم تقريبًا، وتحت عنوان "خارطة الطريق بين صنعاء والرياض.. اتفاق مُعلّق أم ورقة ضغط مؤجلة؟"، حذرتُ من الخطورة الاستراتيجية للتعامل مع التفاهمات الإنسانية والاقتصادية كملفات مؤجلة أو أوراق للتفاوض الطويل؛ كان التقدير التحليلي حينها صريحاً وواضحاً: "أي تأخير في تنفيذ الاستحقاقات الإنسانية والاقتصادية قد يعيد خلط الأوراق في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وتحديداً في الممرات البحرية".

تأتي المستجدات المتسارعة اليوم لتؤكد صحة تلك القراءة الاستشرافية؛ فلم تكن استراتيجية "إدارة الأزمة" والتسويف في استحقاقات المرتبات والمطارات والموانئ سوى وصفة لتأجيل الانفجار لا لمنعه، ومحاولة لكسب الوقت على حساب المعاناة الإنسانية التي طال أمدها.

القرار الذي أعلنته صنعاء مؤخراً بفرض حظر الملاحة البحرية على السفن السعودية-رداً على استهداف مطار صنعاء وتضييق الخناق الجوي والبحري-يمثل النقطة الفاصلة التي انتقل فيها المشهد من حالة "اللاحرب واللاسلم" إلى مرحلة "تثبيت قواعد ردع جديدة"؛ هذا التحرك هو الترجمة الميدانية المباشرة لمعادلة "الحصار بالحصار"، والرد الطبيعي على انسداد الأفق السياسي وتجميد بنود خارطة الطريق.

في المقابل، جاءت التوجيهات الأخيرة الصادرة عمن يُسمى "بحكومة الشرعية" المزعومة في الرياض بشأن الترتيبات الفنية لاستئناف تصدير النفط اليمني، كحلقة جديدة في مسلسل محاولة كسر قواعد الردع التي فرضتها صنعاء منذ أواخر عام 2022م.

غير أن القراءة الدقيقة للمشهد تؤكد أن هذه التوجيهات لا تعبر عن إرادة ذاتية لمن يتصدرون الواجهة من فنادق الخارج، هي تأتي بدفع وتحريك مباشر من الرياض للتملص من استحقاقات السلام وتوظيف تلك القوى كأدوات لتنفيذ الأجندات الإقليمية.

الرهان على التصدير بشكل أحادي عبر تحريك هذه الأدوات الفاقدة للقرار والشرعية الشعبية، ودون معالجة جذور الأزمة، يضع الملاحة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة في المنطقة بأسرها على خط النار المباشر.

أثبتت الأحداث المتعاقبة أن حالة التهدئة الهشة غير قابلة للديمومة ما لم تستند إلى معالجات جذرية.

المماطلة لا تصنع استقراراً دائماً، والتفاهمات التي لا تتحول إلى التزامات عملية ملموسة على الأرض تفقد قيمتها السياسية والواقعية بمرور الوقت.

لا يمكن للوسطاء أو الأطراف الإقليمية فصل الحديث عن أمن الملاحة البحرية وتدفق النفط عن الملف الإنساني المعيشي؛ فكيف يُراد لممر بحري أو شحنة نفطية أن تعبر بسلام وأمان، بينما المطار مغلق والرواتب موقوفة والقيود الاقتصادية تجثم على صدور ملايين اليمنيين؟

تجلت المشكلة الأساسية في تحويل الملفات الإنسانية المطلقة إلى أوراق ابتزاز سياسي، وهو مسار أثبت عقمه وعدم جدواه؛ لأن الردع المتكافئ كفيل بإعادة التوازن وفرض معادلة متوازية تعيد الأمور إلى نصابها.

التصعيد العسكري المضاد، والبيانات السياسية المنددة، والتحرك عبر بواجهات ارتهنت للقرار الخارجي، لن يلغي حقيقة الواقع الميداني والتوازن الجديد الذي تشكل على الأرض.

يكمن المخرج الوحيد لتجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة يكتوي بنارها الجميع في تغليب منطق المبادرة الشاملة والحل المنصف الذي يحقق تطلعات الشعب اليمني: الوفاء الكامل بالتزامات خارطة الطريق، وفي مقدمتها فتح المطارات والموانئ كلياً، وتحويل عائدات النفط لحساب محايد يُخصص لصرف رواتب كافة موظفي الدولة دون استثناء.

وجاء التأكيد الرسمي الأخير من وزارة الخارجية بصنعاء ليضع النقاط على الحروف؛ إذ أعلنت صراحة أن المخرج الوحيد لرفع الحظر البحري المفروض على الموانئ السعودية هو الرفع الكامل للحصار عن اليمن، داعية الشركات العالمية لتجنب تلك الموانئ لإخلاء المسؤولية القانونية والإنسانية.

هذا الإعلان يقطع الطريق أمام أي رهان على الحلول الترقيعية، ويؤكد أن معادلة الردع باتت ملزمة ومؤطرة سياسياً وقانونياً.

إذن..الفرصة للوصول إلى اتفاق شجاع يستوعب حقوق اليمنيين المشروعة ويحمي الملاحة الإقليمية ما زالت قائمة حتى اللحظة.

لكنها -كما أكدنا سابقاً- لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* موقع انصار الله