السياسية: محمد محسن الجوهري*





الحياة رحلة صراع بين الحق والباطل، وهذا ما تؤكده كل مسارات البشر وتوجهاتهم التي تنتهي في الأخير بموقف خير أو شر ولا ثالث بينهما؛ أي أننا نعيش فقط على هامش المعركة ولا نملك لأنفسنا سوى الاختيار بين الطرفين، فإما مع الحق وإما مع الباطل، وسورة الفاتحة التي نقرأها عشرات المرات في اليوم والليلة تؤكد لنا أن السبيل الوحيد لنصرة الحق ومعرفة أهله تكمن في الرجوع إلى الله وطلب الهداية منه.

والأهم من معرفة الحق والباطل هو معرفة أصحاب كل طرفٍ منهما، وقد تكفل الله أيضاً بالتعريف بالطرفين في السورة نفسها، فكلنا نعرف الصراط المستقيم ونعرف أهله كما نعرف من هم المغضوب عليهم، ولا ينقص المؤمن إلا أن يتخذ القرار وأن ينخرط مباشرة في المعركة حتى لا يكون من الضالين الذين أضاعوا البوصلة وقدموا حياتهم وتضحياتهم بلا ثمن.

وواقع البشرية اليوم ليس استثناءً عن تاريخها، بل هو امتداد للمعركة الكبرى بين الحق والباطل، ولا يحتاج الأمر إلى بحث معقد حتى يتأكد أن رأس الشر يتمثل في الإمبريالية العالمية بقيادة واشنطن وتل أبيب، وأن أي طرف يساندهما هو أيضاً جزء من فريق الشر وأنه عدو للحق مهما قدم لنفسه من مبررات يظن أنها واقعية، كما هو حال الأعراب، وما أعظم القرآن الكريم عندما شخص الواقع بكل تفاصيله وأخبرنا بحقيقة عدونا وطبيعة العداء بيننا وبينه.

وأمام معسكر الشر لا بد من وجود معسكر الحق والخير، وهذه هي سنة الله أن لا تخلو الحياة من الذين أنعم عليهم بمعرفة الصراط المستقيم، ونذروا حياتهم لتحرير البشرية من الاستضعاف والاضطهاد، وإذا تخلى هؤلاء عن المعركة فلا يعني أن أهل الشر سيتوقفون عن شرهم، بل سيتمادون أكثر وأكثر، والجميع يعلم أن خسارة إيران ومحور المقاومة لا تعني انتهاء الصراع، بل استفحال العدو الصهيوني في الفتك بمن تبقى من أحرار الأمة وحتى بالمخلصين من عملائه.

وبما أن المعركة اليوم في أشد مراحلها، فنحن مطالبون بحسم موقفنا، وبأننا نتحمل مسؤولية كبيرة أمام الأجيال القادمة كون مستقبلها مرهوناً بانتصار الخير على الشر، وقد رأينا كيف أن العرب، عندما تخلوا عن نصرة الحق في مرحلة سابقة، خدموا الباطل وضربوا مستقبل أجيال كاملة، وكل ما رأيناه في غزة ولبنان ليس إلا ثمرة تفريط المتخاذلين الأوائل من العرب، وتخاذل اليوم لا يقل عنه إجراماً بحق أبنائنا جميعاً.

ولولا طبيعة هذه المعركة لما عرفنا عظمة الحق وأهل الحق، ويكفي أن يكون لحياتنا قيمة بمجرد أن ننخرط في المعركة، وسيكون لهذا الموقف قيمته في الدارين، فهو لله رضا وإنقاذ لحياة المستضعفين من العرب، وقد منّ الله علينا بالجمهورية الإسلامية التي هي نعمة إلهية بدونها ليس للعرب قيمة في حاضرهم أو مستقبلهم، وأي تخاذل عن نصرتها هو انتحار بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كما أن كل أشكال العداء لإيران ليست إلا ذرائع يديرها العدو الصهيوني نفسه وعبر أدواته من المنافقين والخونة، والقرآن الكريم قد فضح حقيقة الجميع بما فيهم معسكر الأعراب بقيادة فئتي النفاق في الرياض وأبوظبي، وكيف أنهم أشد كفراً ونفاقاً في عداوتهم للمسلمين من أي طرفٍ آخر.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب