السياسية || محمد محسن الجوهري*

عندما وصل الإمام الهادي -عليه السلام- إلى اليمن، حرص على أن يؤسس مركزاً يكون مأوىً لدولته وللمستضعفين من الناس، ولتكون منارة للحق يهتدي بها أهل الدين من جهة، ويحتمي بها المساكين من العامة، واختار لهذا المركز موقعاً جغرافياً يتوسط القبائل اليمنية (همدان بن زيد وخولان بن عامر)، وفي الوقت نفسه على طريق الحج إلى بيت الله الحرام، وبالفعل هكذا كانت مدينة صعدة عبر الأجيال، مدرسة للعلم ومأوى اليتيم.

ولو كان الإمام الهادي أسس إقطاعية تجارية مساحة قبلية لذريته ما بقيت بهذا الزخم والحيوية على مدى اثني عشر قرناً، لكنه اختار ثقافة المدنية التي تناسب الجميع ولا تطرد أحداً من العائذين إليها واللائذين بأهلها، وحتى اليوم، ترى مسجد الإمام الهادي -عليه السلام- مأوىً للمستضعفين والمساكين من الناس، ومع مرور الأجيال أصبح لهؤلاء المستضعفين مدينة مترامية الأطراف، وكل سكانها من أهل الصلاح أو من المحرومين من الناس ممن اضطروا للسكن فيها بعد أن رفضهم غيرها من القرى والقبائل.

والإمام الهادي عندما أسس مدينة صعدة المحروسة، إنما اقتدى في ذلك بجده رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، الذي جعل من يثرب مدينة منورة وعاصمة للمسلمين كافة بعد أن كانت منطقة ريفية خاصة بقبيلتين لا أكثر، ولو كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- محدود الفكر لما عمد إلى بناء مدينة عالمية تأوي الجميع وتمتلك كل أسباب القوة العسكرية والاقتصادية، ولذلك نجد مدينة النبي تحولت إلى ملاذ للمضطهدين حتى من أعداء النبي وآل بيته -عليهم السلام- مثل بني أمية عندما هرعوا إليها هرباً من بطش بني العباس، وانبرى للدفاع عنهم أبناء النبي من أمثال الإمام عبدالله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط -عليهم السلام-.

ومن بعد النبي -صلى الله عليه وآله- كان الإمام علي -عليه السلام- الذي أوصى أبناءه بدفنه في منطقة "الغري" بصحراء النجف، وكانت حينها بقعة جرداء خالية من كل أشكال الحياة، وأصبحت من بعدها من كبرى حواضر العراق، ولا يأوي إليها إلا الخلَّص من عشاق النبوة وآل البيت ممن اختاروا لأنفسهم السكن إلى جوار الإمام علي في حياتهم وحتى من بعد مماتهم.

وقبل محمد وآل بيته -عليهم السلام-، كان أبوهم إبراهيم وآل بيته -عليهم السلام- حريصين على أن يؤسسوا للثقافة الجمعية التي تحمي الإنسان وتصون كرامته، ولذلك كان من دعائه -عليه السلام-: (رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات)، كما دعا لذريته بأن يكونوا من الصالحين الموحدين لله ومن أئمة الهدى والحق وأن تأوي إليهم أفئدة من الناس، وهي الدعوة التي تحققت في ذريته حتى يومنا هذا بعد أن اصطفى الله منهم ذرية محمد -صلى الله عليه وآله-، وأوجب علينا الصلاة عليهم كما كانت الصلاة على إبراهيم وآله من قبلهم.

وهكذا تتجلى صعدة -على مر التاريخ- كنموذجٍ متجسدٍ للمدينة التي تتجاوز حدود الجغرافيا والمصالح الضيقة، لتصبح رمزاً للإنسانية الجامعة وملاذاً لكل من ضاقت بهم السبل. فمن إرث إبراهيم الخليل إلى منهجية النبي الكريم، وصولاً إلى نهج الإمام علي والهادي -عليهم السلام-، ظلت هذه الحواضر مناراتٍ للحق، تعكس فكراً يعلي من شأن الإنسان ويحفظ كرامته، مؤكدة أن بقاء هذه المدن واستمراريتها كان نتيجة لرسالةٍ أخلاقية وإنسانية استوعبت الجميع وآوت المستضعفين، لتظل صعدة كما أريد لها، منارة للعلم وموطناً للعدل ومأوىً لكل باحثٍ عن الأمان.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب