السياسية || محمد محسن الجوهري*

اعتمدت الهيمنة الأمريكية تاريخياً على "الدعاية السياسية" (Propaganda) كركيزة استراتيجية لا تقل أهمية أو خطورة عن أساطيلها العسكرية أو ترسانتها النووية؛ بل إنها طورت منظومة متكاملة من "القوة الناعمة" التي تعمل على هندسة العقول وتشكيل القناعات الجماعية قبل أي عدوان تشنه في العالم، وتبدأ الحرب الإعلامية بالترويج لنموذج الحكم الأمريكي قبل أن تتحول إلى سلاح فتاك لتقويض الخصوم من الداخل، وضرب شرعية الأنظمة المناوئة، وتفكيك التماسك الاجتماعي للدول المستهدفة، تماماً كما حدث مع الاتحاد السوفياتي الذي سقط بفعل "حرب الأفكار" بقدر ما سقط تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسباق نحو التسلح، حيث نجحت واشنطن في إيهام الشعوب السوفياتية بأن "الحلم الأمريكي" هو الملاذ الوحيد، مما أدى إلى تآكل الهوية الوطنية والولاء للنظام من الداخل.

إلا أن هذا النموذج يشهد اليوم انكساراً واضحاً؛ إذ تجد الولايات المتحدة نفسها في مرحلة هي الأكثر ضعفاً لأن فشلها في الحرب الإعلامية صار يمثل انعكاساً مباشراً لتخبطها العسكري. وبما أن سمعة واشنطن أصبحت مرتبطة وجودياً بسمعة الكيان الإسرائيلي المتهاوية، فإن السقوط الأخلاقي الذي يشهده الكيانان معاً أمام العالم ينذر بانتكاسة عسكرية مدوية لا مفر منها، فالتاريخ يخبرنا دائماً أن التآكل المعنوي هو المقدمة الحتمية للهزيمة على الأرض.

هذه الاستراتيجية الأمريكية في التشويه هي نهجٌ مُتبع منذ عقود، يتجلى في أبهى صوره في قصة احتلال العراق؛ حيث عملت واشنطن على تحويله من حليف مدعوم إلى عدوٍ مستهدف من خلال حملة إعلامية ممنهجة استمرت لأكثر من اثني عشر عاماً (1991–2003)، قامت خلالها بعزله عن محيطه الجغرافي وتفكيك علاقاته بجيرانه، لتمهيد الطريق لاجتياحه عسكرياً. واليوم، تحاول واشنطن استنساخ هذا السيناريو في اليمن، لكنها تصطدم بواقع مغاير تماماً، حيث مُنيت بخسارة فادحة في حربها الدعائية ضد "أنصار الله"، مما دفعها إلى التخطيط لمرحلة طويلة من الاستنزاف النفسي قد تمتد لعقد من الزمن، أملاً في ضرب الهيبة الشعبية وتفكيك الجبهة الداخلية قبل أي تحرك عسكري محتمل.

وفي ظل هذا الواقع، يدرك اليمنيون أن المعركة الحقيقية التي سيواجهونها مستقبلاً هي معركة "وعي" أكثر من كونها معركة سلاح، حيث ستكثف أمريكا من حملات التشويه عبر وسائل الإعلام المضللة وجيوش الذباب الإلكتروني. وقد أدركت السفارة الأمريكية -بناءً على دراسات ميدانية قديمة- أن البيئة الاجتماعية اليمنية في "المقايل" ووسائل النقل هي الأكثر تأثيراً لنشر الشائعات، ومن هنا ستتركز جهودها لشق الصف اليمني. لكن هذه المحاولات ستصطدم بحقيقة صلبة، وهي أن الشارع اليمني يعيش اليوم حالة من الوحدة السياسية غير المسبوقة، قائمة على إجماع وطني مطلق لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية.

لذا، يجب على الجميع أن يعوا أن أي محاولة -مهما كانت لافتتها الدينية أو السياسية- لزعزعة هذا الصف أو التشكيك في الموقف اليمني، ما هي إلا جزء من المشروع الأمريكي الصهيوني، الذي لا يجد حرجاً في توظيف كل الأدوات لتحقيق مآربه، وهو ما يجعل الوعي بالهدف والمصير هو السلاح الأقوى لضمان استمرار الانتصارات الميدانية وصولاً إلى تحرير فلسطين.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب