يومُ الغديرِ الأغرّ أسماءٌ ودلالاتٌ في الأرضِ والسماء
طوفان الجنيد*
كما أوردنا لكم سابقًا، فإن يوم الغدير الأغر ليس مجرد حدثٍ تاريخيٍّ عابر في الوجدان الإسلامي، بل هو محطةٌ مفصلية ومنعطفٌ فكريٌّ وروحيٌّ عظيم. فهذا اليوم، الذي يصادف الثامن عشر من ذي الحجة، يحمل في طيّاته أبعادًا عقائدية وعاطفية عميقة، تجلّت بوضوح في تنوّع أسمائه ودلالاته الواردة في الروايات والأحاديث الشريفة.
إن تعدّد الأسماء في الثقافة العربية والإسلامية يدلّ دائمًا على شرف المُسمّى وعِظَم شأنه. ومن هنا، نسلّط الضوء في هذا المقال على أبرز أسماء يوم الغدير الأغر، وما تحمله من دلالات فكرية وروحية عميقة في السماء والأرض.
أسماء يوم الغدير في السماء والأرض
ورد ليوم الغدير أسماء شريفة تغنّت بها السماء واحتفت بها الأرض، يعكس كل اسمٍ منها جانبًا من عظمة هذا اليوم وبهجته:
أولًا: في السماء – يوم العهد المعهود
يُعرف يوم الغدير في الملأ الأعلى بـ يوم العهد المعهود، وهي تسمية تعود إلى كونه يوم تجديد العهد والميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على البشرية بالولاية والتوحيد. إنه يوم التذكير بالبيعة والمسؤولية الإلهية الكبرى.
ثانيًا: في الأرض – يوم الميثاق المأخوذ والبلاغ المشهود
لا يقل هذا الاسم عظمةً عن اسم السماء؛ ففي الأرض شهدت بقعة غدير خم ذلك الجمع الغفير من المسلمين، الجمع المشهود، الذين حضروا تبليغ الرسالة ورفع النبي، صلوات الله عليه وآله، يدَ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، فكان ميثاقًا مأخوذًا، وعهدًا معقودًا، وطوقًا في أعناق المؤمنين.
الأسماء العقائدية والروحية
تنوعت الأسماء التي تصف الجوهر الإلهي والشرعي ليوم الغدير، ومن أبرزها:
عيد الله الأكبر
وهو من أشهر أسماء يوم الغدير، وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله:
«هو عيد الله الأكبر، وما بعث الله نبيًّا إلا وتعيّد في هذا اليوم وعرف حرمته».
وسُمّي بالأكبر لأنه اليوم الذي اكتمل فيه الدين، وتمّت به النعمة.
يوم إكمال الدين وإتمام النعمة
وهو مستوحى مباشرة من الآية الكريمة:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
فبالولاية استقرّ بنيان الدين، واستمرّت الشريعة.
يوم الولاية
لأنه اليوم الذي أعلن فيه الرسول الأكرم، صلوات الله عليه وآله، ولاية أمير المؤمنين إعلانًا رسميًا وعلنيًا بقوله: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه».
ألقاب الفرح والبهجة الاجتماعية
لم يقتصر يوم الغدير على الجانب العبادي والعقائدي الصِرف، بل امتد ليكون محطةً للفرح الإنساني والتكافل الاجتماعي، وتجلى ذلك في عدة ألقاب مشهورة، منها:
يوم التبسُّم
حيث رُوي أنه يوم التبسّم في وجوه المؤمنين، ونشر المحبة والسلام، وبثّ الإيجابية في المجتمع.
يوم الإطعام
إذ يُستحب فيه إطعام الطعام، وقد ورد أن إطعام مؤمن فيه يعادل إطعام أعدادٍ كبيرة من البشر.
يوم الزينة
وفيه يُظهر المؤمنون معالم الفرح والسرور، ويلبسون الجديد تعبيرًا عن الابتهاج بهذه النعمة الإلهية العظيمة.
يوم الفيض والبركة
وهو رمز لفيوضات الرحمة الإلهية التي تتنزّل على الأمة في ذكرى هذا اليوم الأغر.
ومن أسمائه أيضًا: يوم التنصيب ويوم الدوحة.
خاتمة:
إن أسماء وألقاب ودلالات يوم الغدير الأغر ليست مجرد مجازات لفظية، بل هي هوية تعريفية لحدثٍ غيّر مجرى التاريخ الإسلامي.
فهي أسماء تجمع بين جلال السماء، في العهد والميثاق، وبهجة الأرض، في التبسّم والزينة والإطعام، لتؤكد أن الغدير مدرسة متكاملة للروح والعقل والمجتمع.
وإن إحياء هذا اليوم هو إحياءٌ للقيم الإنسانية، ووفاءٌ للعهد والميثاق الرسالي، وتجديدٌ للانتماء لهذا الحدث العظيم والمبارك.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

