الأحرار في العالم يدينون الحصار الأمريكي الجائر على جمهورية كوبا
ا. د / عبد العزيز صالح بن حبتور*
انتصرت الثورة الكوبية في تاريخ 1 يناير 1959م، وجاء ذلك الانتصار بقيادة مجموعة شابة من الشعب الكوبي الرّ، وعلى رأسهم المناضل العتيد فيدل كاسترو" مع نخبة من الثوار الأحرار الذين قرروا التخلص من النظام الرأسمالي الفاسد في جزيرة كوبا" بقيادة باتيستا، وبانتصار الثورة الكوبية تم تأسيس دولة اشتراكية جديدة بمضمون ثوري بروليتاري إنساني حديث، مناهض للرأسمالية الاحتكارية، ومستندة إلى التراث الفكري، والأخلاقي للثوار من قادة أمريكا اللاتينية الأحرار أمثال سيمون بوليفار، خوسيه دي سان مارتين، ومتناغمة مع إحداث تحولات ثورية جذرية تخدم المجتمع، والإنسان الأمريكي اللاتيني الكوبي في حوض الكاريبي المجاور لرأس النظام السياسي الرأسمالي الإمبريالي الاحتكاري المتوحش في أميركا USA
جزيرة كوبا تبعد عن أرض الجمهورية اليمنية مسافة 13.000 كم، وتبعد عن أراضي أميركا USA مسافة 140 كم؛ ولهذا قام النظام الرأسمالي الإمبريالي اليانكي الأمريكي بفرض حصاره الاقتصادي، والسياسي، والإنساني، والثقافي والعلمي على جمهورية كوبا الاشتراكية منذ العام 1962م، إلى تاريخنا هذا، بل إنَّه قد فرض حصاراً إضافياً على كل دولة، ونظام سياسي في العالم يتعامل مع الدولة الكوبية الاشتراكية، وفرض عليها العديد من العقوبات، والقيود والالتزامات الجائرة.
ذلك البعد الجغرافي الشاسع بين بلدينا لم يؤثر في تلك العلاقات الدافئة، والحميمية التي نسجت بين الشعب الكوبي، والشعب اليمني، ولنقل مع باقي الشعوب الحرة في البلدان النامية في قاراتي آسيا وأفريقيا.
لنسأل السؤال الجاد، لماذا فرضت الإدارات الأمريكية المتصهينة كل أساليب الحصار، والتجويع بجميع ألوانه، وأشكاله على عدد من الشعوب، والحكومات منها الحصار على جمهورية مصر العربية في زمن جمال عبد الناصر، وعلى الجزائر الديمقراطية في زمن الرئيس هواري بومدين، وعلى جمهورية ليبيا في زمن الرئيس الشهيد معمر القذافي، وعلى جمهورية العراق في زمن الرئيس الشهيد صدام حسين المجيد، وعلى الجمهورية العربية السورية في زمن الرئيس المغدور به الدكتور بشار حافظ الأسد ومن قبله الرئيس الفقيد حافظ الأسد، وعلى جمهورية فنزويلا في زمن الرئيسين هوقو تشافيز، ونيكولاس مادورو الأسير المغدور به في زنازين أميركا (USA)، وعلى جمهورية كوريا الديمقراطية (الشمالية) في أزمنة كل رؤسائها من كيم إيل سونج كيم جون إل، و كيم جون أون، وفي جمهورية روسيا الاتحادية في زمن الرئيس فلاديمير بوتين، ولماذا تحاصر الجمهورية الإسلامية في إيران منذ ثورة الشعب الإيراني عام 1979م بقيادة مرشد الثورة الإيرانية "آية الله الخميني"، و "آية الله علي خامنئي"، وحتى اليوم بقيادة مرشد الثورة الجديد القائد "مجتبى خامنئي"، ولماذا تحاصر الجمهورية اليمنية، وعاصمتها صنعاء بقيادة قائد الثورة الحبيب عبد الملك بن بدر الدين الحوثي" يحفظه الله ويرعاه)، ولماذا تحاصر جميع مكونات محور المقاومة العربية الإسلامية (الفلسطينية، اللبنانية، والعراقية)، وهي المقاومة الحرة في عالمنا العربي الإسلامي.
جزيرة كوبا الاشتراكية كانت لها مسميات لدى اليساريين والتقدميين عموماً على مستوى العالم أجمع؛ لأنها كانت أيقونة متميزة للأحرار في العالم بكفاحها ضد طغيان وجبروت، وعنجهية حكام أميركا، وصلافتها الوقحة، فكانت تسمى جزيرة الحرية، وجزيرة الثوار، وجزيرة الأبطال وجزيرة الإشعاع التنويري التحرري كما سماها الفقيد الشاعر الرفيق عوض الحامد العولقي، محافظ م / لحج الأسبق، وعضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، وحينما قرر رفاقه في القيادة الحزبية (نفيه) وإبعاده إلى جزيرة كوبا للتدرب على النضال الثوري من جديد، فقال قوله الشهير يومها، لماذا تتحول جزيرة الثوار إلى منفى وسجن للثوار اليمنيين، ويقصد بذلك ذاته المنفية المبعدة.
لقد شكلت التجربة الكوبية الاشتراكية نموذجاً ثورياً خاصاً ومتميزاً، ملهمة للعديد من الثوار التحرريين في العالم ودون أن تنغمس في التجربة المتالينية المتوحشة والتعامل بحق الرفاق فيما بينهم البين آنذاك، قالها الرئيس فيدل كاسترو" لإحدى القنوات التلفزيونية الإيطالية في تسعينيات القرن العشرين، إننا في الحزب الشيوعي الكوبي لم نتعامل مع القيادات الحزبية التي اختلفنا معها سياسياً، وحزبياً كما تعامل الحزب الشيوعي السوفيتي في عهد الرفيق جوزيف ستالين، وقال لم نصف رفاقنا تصفية جسدية إطلاقاً بل تعاملنا معهم برفق ولطف، في السجون الكوبية المرفهة، أو ننفي من كان يرغب بتلك المغادرة إلى الخارج، هكذا تحدث قائد الثورة الكوبية العظيم.
وهل نسي التاريخ الحديث؟ بأن حلف شمال الأطلسي بقيادة أميركا، وفي زمن الرئيس الأمريكي "بيل كلنتون" قد خطط، ونقد مشروعه العدواني لتدمير جمهورية يوغسلافيا الاشتراكية والتي مزقها إربا إربا، وحولها إلى عدد من الدويلات، والجمهوريات؛ كي يُخرجها من الخريطة الشرقية لما تبقى من بقايا جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.
دعني يا صديقي القارئ اللبيب أن أسرد حكاية مهمة عن واحدة من أشكال التعاون العلمي، والثقافي الذي كانت حكومة كوبا تقدمه لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ففي عام 1975م زار الرفيق الرئيس فيدل كاستر" العاصمة عدن، وكان في استقباله، وبحفاوة عالية كل من الرئيس سالم ربيع علي "سالمين" رئيس مجلس الرئاسة، والرفيق عبد الفتاح إسماعيل - الأمين العام للتنظيم السياسي للجبهة القومية، ودولة الأستاذ علي ناصر محمد - رئيس الوزراء، وفي أثناء الزيارة المباركة تم توقيع اتفاقية علمية أكاديمية استراتيجية مهمة جداً جداً جداً، وهي أن تقوم حكومة جمهورية كوبا الاشتراكية بتأسيس كلية الطب البشري، والعلوم الصحية تابعة الجامعة عدن، ومنذ ذلك التاريخ وهذه الكلية العلمية تخرج الآلاف من الأطباء المتميزين الاختصاصيين الذين ساهموا في إيصال التطبيب المجاني إلى كل المحافظات الجنوبية والشرقية يومها، وساهمت في تأهيل عدد من الطلاب الأطباء الفلسطينيين؛ لخدمة مواطنيهم الفلسطينيين في الشتات الفلسطيني، وفي مخيمات اللجوء من حول العالم.
كان أول عميد للكلية هو البروفيسور الرائع عبد الله سعيد الحطاب باحطاب بارك الله في عمره، ومتعه بالصحة والعافية"، وأن أحد أبرز متخرّجي هذه الكلية النوعية هو البروفيسور الخضر ناصر لصور" وهو الرئيس الحالي لجامعة عدن، متعه الله بالصحة والعافية وبركة العمر، هذه الكلية العلمية المهمة التي ساعد وساهم في تأسيسها، وتطورها البروفيسورات الكوبيون المتميزون جزاهم الله خير الجزاء على ما قدموه.
أتذكر أنني قمت بزيارة علمية إلى العاصمة هافانا كوبا الاشتراكية عام 1996م وكنت يومها أشغل منصب نائب رئيس جامعة عدن، يرافقني في هذه الزيارة الصديق العزيز البروفيسور محمد طه شمسان المقطري" مدير عام العلاقات الدولية، قمنا بالزيارة بتكليف رسمي من الصديق الفقيد العزيز صالح على عمر باصرة -رئيس جامعة عدن يومها يرحمة الله"، وكان هدف الزيارة هو التباحث العلمي مع الجانب الكوبي؛ لتطوير اتفاقية التعاون العلمي والثقافي بين جامعة عدن، والمعهد الطبي العالي بكوبا جامعة هافانا" الطبية، وأمضينا قرابة أسبوع على هذه الجزيرة الجميلة التي كانت وما زالت مثار إعجاب كبير للأحرار في العالم أجمع، وهي كذلك محط ونقطة للتأمر الدولي عليها، وعلى قياداتها الاشتراكيين من قبل عتاولة عناصر الاستخبارات الإجرامية في معظم البلدان الرأسمالية الاحتكارية وعلى رأسها أميركا.
لماذا تحاصر الحكومات الأمريكية المتتالية جمهورية كوبا الاشتراكية، وشعبها الحر منذ العام 1962م وحتى لحظة كتابة مقالتنا هذه ! ! ! ؟
سنوجز الإجابة في النقاط الآتية:
أولاً:
قامت السلطة الثورية الاشتراكية في كوبا بتأميم أملاك، ومصانع وعقارات كبار الطبقة البرجوازية الرأسمالية الاحتكارية، التي حولت جزيرة كوبا الجميلة وشعبها الحر إلى مرتع خصب للعب القمار وتجارة الجنس، وتبادل الرقيق الأبيض، وغسل وتبييض رؤوس الأموال المدنسة التي تجنيها عصابات المافيات العالمية، التي حولت منتجعات وفنادق وشواطئ فالاديرو" وسانتا ماريا وغيرها من المنتجعات وقصور جزيرة كوبا لهذه الفئة الفاسدة التافهة من الكوبتين، والأمريكيين، وغيرهم من أفراد عصابات المافيوز الدولية، ليستمتعوا بخيرات شعوب الأرض قاطبة، ولهذا كان التأميم في محله وموضعه.
ثانياً:
قامت السلطة الثورية الكوبية بمصادرة الأراضي الزراعية التابعة للإقطاعيين، والكولاك وكبار الملاك لتوزيعها على صغار الفلاحين، والفلاحين المعدمين، والتعاونيين؛ كي تكون خيرات الأرض لأهلها.
ثالثاً:
تعميم التطبب المجاني من الفحص الطبي حتى إجراء أعقد العمليات الجراحية في المستشفيات الحكومية، من أقاصي الريف وصولاً إلى أحياء المدن، لجميع أفراد وشرائح المجتمع الكوبي. والتقارير الرسمية العلمية الموثقة الدولية لمنظمة الصحة العالمية WHO تثبت ذلك).
رابعاً:
تم تطبيق مبدأ التعليم المجاني لجميع أفراد المجتمع الكوبي بمختلف شرائحه وطبقاته، والتي تبدأ من صفوف رياض الأطفال مروراً بالتعليم الأساسي، والتعليم الثانوي وصولاً إلى الدراسات الأكاديمية في الجامعات الكوبية وفي الخارج، والدراسات العليا في جميع الاختصاصات العلمية التطبيقية والإنسانية، والأقسام العامة، وبشكل مجاني، والتقارير الرسمية الموثقة لمنظمة اليونسكو الدولية للتربية والعلوم والثقافة تثبت ذلك.
خامساً:
تسهيل وصول الخدمات الاجتماعية والسكنية والوظيفية لجميع المؤهلين من شرائح المجتمع الكوبي، برغم شح الإمكانات؛ نتيجة للحصار الجائر الذي تمارسه إدارات الولايات المتحدة الأمريكية.
سادسا:
موضوع حصار البلدان والدول المستقلة التي لها سياستها الحرة والخاصة النابعة من مصالح شعوبها، وتطلعات مجتمعاتها .. هذه الدول المستقلة الحُرّة هي خصم غير مهضوم، وعدو عنيد لسياسات الدول الغربية الرأسمالية الاحتكارية المتصهينة، وبالتالي فإن ذلك هو مبرر كافٍ للعداء، والمؤامرة، والحصار وحتى الانقلاب على رؤسائها، واختطافهم، وقتلهم إذا تيسر لهم ذلك. يكفي أن تكون سياساتك الداخلية والخارجية مخالفة سياسياً للغرب الرأسمالي المتوحش، والحركة الصهيونية، وبذلك فأنت عدو لدود لهذا النظام العالمي الرأسمالي الاحتكاري، وأن تكون عرضة مباشرة لعقوباته السياسية والاقتصادية والإعلامية، والثقافية وحتى الإنسانية.
سابعاً:
منذ أن انتخب سيّئ الذكر / دونالد ترامب الرئاسة أمريكا، التي مثلت في لحظة ذلك الانتخاب وهي تقف في قمة التوحش والانغماس في الإجرام الدموي الذي ارتكب بحق شعوب عديدة، منها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ، والشعب اليمني وعاصمته صنعاء، والشعب الإيراني، والشعب العراقي، والشعب الفنزويلي، وصولاً إلى الشعب النيجيري. جميع هذه الشعوب ارتكب بحقها الجيش الأمريكي جرائمه، وفظائعه، وقتل المئات والآلاف منهم، وبالتالي فإن كل هذه الفظائع سيسجلها التاريخ كدين مطلوب الشداد لهذه الشعوب التي تضررت من قبل الأمريكيين.
الخلاصة:
منذ أن نشأ، وتأسس النظام الرأسمالي الاستعماري الاحتكاري الوحشي في القرن السادس عشر في أوروبا الغربية، وسيطر على القارات السبع جميعها، وهو يُمارس، ويفرض نظامه العنصري التأمري الاحتلالي الاستعماري للإنسان الأبيض، وهو يُمارس في الوقت ذاته النهب والاستغلال، والشرقة المنظمة، والعلنية، والخفية ضد شعوب أمريكا اللاتينية، وأفريقيا السوداء، والشعوب الآسيوية، والأسترالية، وجميع الأساليب الاستعمارية الاحتلالية المتبعة هي في نهب وسرقة، واستغلال خيرات الشعوب في البلدان النامية والفقيرة، وتدمير ثقافاتهم، ودياناتهم، وعاداتهم ولغاتهم، وتقاليدهم الوطنية، وإحلال بديلاً منها الثقافات واللغات الأوروبية، وحتى الديانات الأوروبية الأمريكية محلها.
"وَفَوْقَ كُلَّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ"
* عضو المجلس السياسي الأعلى في الجمهورية اليمنية صنعاء.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

