نبيل الجمل*

الحمد لله رب العالمين، حمد الشاكرين الأوابين، الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خاتم الأنبياء والمرسلين، السراج المنير، والرحمة المهداة، محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، مصابيح الدجى، وأعلام الهدى، وسفن النجاة العاصمة من الردى.

إن في تاريخ الأمة الإسلامية أياماً مشهودة، ومواقف بالحق معقودة، تتجلى فيها عظائم الأمور، وتتضح بها مسالك النور، وإن يوم الغدير الأغر، يوم الولاية الكبرى، لهو اليوم الذي شرف الله فيه الذكر، وأبان فيه الأمر، ووضع فيه ميزان الهدى لئلا تضل الأمة بعد نبيها أو تتفرق بها السبل في دياجير الظلم. ففي ذلك اليوم المشهود، والجمع الحاشد المحشود، في قفار "خم" بعد قضاء مناسك الحج، وقف الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً بليغاً، صادعاً بأمر ربه، حريصاً على أمتنا من الشتات، فرفع يد أخيه وابن عمه، وصهره ووصيه، حيدرة الكرار، وإمام الأبرار، علي بن أبي طالب عليه السلام، فنادى بصوت جهوري شق عنان السماء، ووقع في قلوب المؤمنين موقع اليقين: "من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله".

إنها الولاية التي قرنها الله بولايته وولاية رسوله، وجعلها حصناً للأمة من التمزق والضياع، فكان الإمام المرتضى، أبو الحسنين، هو الوصي الذي ارتضاه الله ليقود الأمة بعد نبيها بعلمه المحيط، وزهده الورع، وعدله الذي ملأ الآفاق. كيف لا وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤكداً مقامه ومنزلته: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"، وهو الذي قال في فضله وعلمه: "أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتِ الباب". إن الإمام علياً عليه السلام لم يكن مجرد وصية فقط ، بل كان نفس رسول الله بنص آية المباهلة، وكان مع الحق والحق معه يدور حيثما دار، كما أثر عن المصطفى صلوات الله عليه وآله: "علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض".

ومن هنا، فإن جموع المسلمين وخاصة شيعة الإمام علي عليه السلام ، الذي جبل على مودة الآل وتعظيم مقامهم، يرى في يوم الغدير أصلاً أصيلاً من أصول الهداية، ومناراً يسترشد به السائرون إلى رضا الله. فالتولي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولآل بيت النبي الغر الميامين الأطهار، ليس نافلة من القول ولا فضولاً من العمل، بل هو حبل الله المتين، وسفينة النجاة التي من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى؛ تيمماً بقول الرسول الأعظم: "إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق".

إن الأمة الإسلامية، في حاضرها وماضيها، لم ولن تنجو من أمواج الفتن المتلاطمة، ولا من غياهب التفرق والتمزق، إلا بالاعتصام بهذا الحبل الممدود من السماء، وبتولي من أمر الله ورسوله بتوليهم. فآل البيت الأطهار هم أمان الأرض، وعدل الكتاب، وقادة الأمة نحو العزة والكرامة والمجد. وإن إحياء يوم الغدير الأكبر هو تجديد للعهد والولاء، واستنهاض للهمم في السير على نهج أمير المؤمنين في جهاده، وزهده، وعدله، وإحقاقه للحق وإبطاله للباطل. فسلام الله على أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، ووصي رسول رب العالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ما أشرقت شمس، وما دار فلك، والحمد لله رب العالمين.

* المقال يعبر عن راي الكاتب