الاقتصاد السعودي قبل وبعد العدوان على اليمن
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في عام 2014، قبيل وصول سلمان بن عبد العزيز إلى السلطة وإعلان العدوان على اليمن، كانت السعودية تمتلك احتياطيات نقدية أجنبية ضخمة تجاوزت 730 مليار دولار، وكان الدين العام شبه معدوم (أقل من %2 من الناتج المحلي). والوضع اليوم كارثي جداً بالمقارنة مع تلك الفترة، حيث تحولت المملكة من دولة تعتمد بالكامل على الفوائض النفطية الضخمة وتكديس الاحتياطيات النقدية، إلى واحدة من أكثر الدول نشاطاً في أسواق الاستدانة العالمية والإقليمية، والسبب هو عدوانها على اليمن.
وقد تزامن العدوان على اليمن مع مستجدات سياسية واقتصادية غير محسوبة ساهمت في تأزيم الميزانية السعودية، مثل انخفاض أسعار البترول عام 2016 من 115 دولاراً إلى ما دون 35 دولاراً للبرميل الواحد، أي أن هناك هبوطاً حاداً ومفاجئاً للإيرادات في وقت كان الإنفاق العسكري في ذروته، مما اضطر السعودية إلى سحب مئات المليارات من الاحتياطي قبل أن تلجأ إلى الدين العام، عندما قررت في السنة نفسها (2016)، وبعد أقل من عام واحد على عدوانها على اليمن، فتح باب الاقتراض الداخلي والخارجي، وإصدار أول سندات دولية بمليارات الدولارات لتغطية عجز الموازنة.
وفي تلك الفترة أيضاً، تبنى الكونغرس الأمريكي قانون "جاستا" الذي حرم السعودية من سحب أي احتياطيات مالية ضخمة من أرصدتها في البنوك الأمريكية؛ فالسياسة الأمريكية تدعم العدوان على اليمن شريطة أن يبقى وسيلة للتربح وأن تبقى السعودية الخاسر الوحيد في المعركة التي لا ناقة لها فيها ولا جمل. وأصبح الجزء الأكبر من الميزانية الرسمية (ما بين 50 و60 مليار دولار في السنة الواحدة) يذهب إلى اليمن بشكلٍ أو بآخر، وهذا الإنفاق الهائل تشتت في عدة جبهات مكلفة، منها تأمين الحدود الجنوبية الطويلة والوعرة ونشر آلاف الجنود والدبابات، وبناء تحصينات، وتوفير إمدادات مستمرة على مدار الساعة، إضافة إلى فخ "الدفاع الجوي" المكلف، حيث واجهت السعودية تحدياً استنزافياً كبيراً؛ إذ كان رجال الرجال يطلقون طائرات مسيرة وصواريخ رخيصة الثمن، بينما كان الجيش السعودي يضطر لاعتراضها باستخدام صواريخ منظومة "باتريوت" الأمريكية، والتي يصل سعر الصاروخ الواحد منها إلى 3 أو 4 ملايين دولار. هذا الفارق الرهيب في التكلفة جعل الدفاع عن الأجواء يستنزف المليارات.
كما أن حكومة المرتزقة وفصائلها المختلفة والمتناحرة أجهدت الميزانية السعودية بشكلٍ كبير، حيث استنزفت أموال المملكة عبر ميزانيات تشغيلية ضخمة شملت دفع رواتب ومخصصات مسؤوليها وقادتها المقيمين في الخارج، وتمويل صفقات تسليح هائلة تبددت في قضايا فساد وجبهات وهمية، فضلاً عن الاضطرار لدفع تكلفتين مضاعفتين نتيجة الصراعات البينية والاشتباكات المسلحة بين هذه الفصائل ذاتها (كفصائل الانتقالي والإصلاح)، مما أجبر الرياض على تقديم ودائع مالية ومنح نفطية متكررة لمنع انهيار مناطق سيطرتهم، ليمثل هذا الحليف المتشرذم عبئاً مالياً مزمناً امتص السيولة النقدية دون تحقيق أي حسم عسكري.
وعندما تعرضت المنشآت النفطية الحيوية (مثل بقيق وخريص التابعة لأرامكو في 2019) لاستهدافات مباشرة، تأثرت نظرة المستثمرين الأجانب؛ مما يعني أن السعودية عندما كانت تطرح سندات دين في الأسواق العالمية، كانت تضطر أحياناً لدفع أسعار فائدة أعلى كـ "علاوة مخاطر" للمستثمرين، مما رفع تكلفة خدمة الدين العام، وهي المبالغ والفوائد السنوية المقتطعة من الميزانية والتي تذهب للبنوك والمستثمرين الدوليين لمجرد سداد فوائد القروض، دون أن تقلل من أصل الدين نفسه.
وقبل أن يستعيد الاقتصاد السعودي عافيته، دخلت المملكة في حربٍ اقتصادية خفية مع الإمارات، حليفتها في العدوان على اليمن، والسبب أن الأخيرة ترى في مخططات بن سلمان الاقتصادية خطراً وجودياً على مشاريعها المستقبلية، ولم تظهر آثار هذه الحرب إلا أواخر العام 2025، وقد اتضح أن أبوظبي تستثمر في ضرب البنية التحتية للاقتصاد السعودي، وستظهر نتائج ذلك على رؤية 2030 التي تحولت مع الوقت إلى سراب.
بناءً على ما تقدم، يمكن القول إن الفاتورة الحقيقية للعدوان على اليمن تجاوزت كلفة الذخائر والعتاد لتضرب عمق العقيدة الاقتصادية السعودية. فقد شرعت الحرب منذ عام 2015 أبواب "الاقتصاد القائم على الدين"، وحوّلت الوفرة النقدية التاريخية إلى عجزٍ هيكلي مزمن تغذيه صراعات الفصائل المتناحرة وفخاخ الاستنزاف الجوي. واليوم، وفي ظل التنافس المكتوم والحرب الاقتصادية الخفية مع الحليف الإماراتي، تدرك الرياض - وإن متأخرة - أن الرهانات المالية التي بُنيت عليها أحلام التحول المستقبلي باتت تصطدم بواقع الديون وتآكل البنية التحتية، لتبقى "رؤية 2030" في مهبّ التوازنات الإقليمية المعقدة، وكل ذلك إلى جانب الحرب الظالمة على إيران ونتائجها الكارثية على السعودية والتي كلفتها نصف إيراداتها النفطية، ما يعني تفاقم الدين العام وتراجع الاستثمارات بعد أن تحولت دول الخليج بكلها إلى منطقة صراعات، والقادم أعظم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

