عيد المقاومة والتحرير: المعركة على المعنى والذاكرة
السياسية / بثينة عليق:
في عيد المقاومة والتحرير هذا العام، تبرز ثلاث محاولات يعمل عليها أعداء المقاومة في لبنان.
وفي الحقيقة، فإن هذه المحاولات ليست مستجدّة، وإن كانت تكتسب معنى خاصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان، والمتمثلة بالعدوان الإسرائيلي المستمر، واحتلاله جزءاً من الجنوب اللبناني، واستمراره في ارتكاب المجازر والجرائم والتدمير، وصولاً إلى الإبادة العمرانية لعدد من القرى والبلدات الجنوبية.
المحاولة الأولى تسعى إلى إلغاء عيد المقاومة والتحرير، وتثبيت فكرة فقدانه لمعناه في ظل المعركة الدائرة، والعمل على النيل من رمزيته. فمن جهة، تلجأ الحكومة اللبنانية إلى إعطاء المناسبة بُعداً لا يتناسب مع سياقها، فيصدر مرسوم عن رئيس الحكومة يعلن عطلة رسمية في 25 أيار من هذا العام، ويعلّلها بالتعاطف مع النازحين، متنكّراً للذكرى ووقائعها.
ومن جهة ثانية، يعتمد الإعلام المعادي للمقاومة أساليب تنطوي على الكثير من الانحطاط الأخلاقي، إلى حدّ إنتاج مواد إعلامية ترقص على آلام الناس ودمائهم ودمار بيوتهم، بكل ما للكلمة من معنى.
ويتجاهل هؤلاء، عن قصد، المعنى الحقيقي للأعياد الوطنية، بما تحمله من إلهام وعِبَر للشعوب المعنية. وأبرز هذه العِبَر أن الشعوب قادرة على الفعل، وتستطيع تحقيق الإنجازات الوطنية، وعلى رأسها التحرر من الاحتلال، والانتصار على المعتدين، أو الحفاظ على حدود الأوطان وأراضيها وسيادتها أمام المخاطر التي تتهددها.
وبالتالي، فإن كل دول العالم تظل متمسكة باحتفالاتها الوطنية حتى في أصعب الظروف.
فبلد مثل روسيا، مثلاً، وبرغم ما عاشته من ظروف صعبة وكارثية في تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم يزهد يوماً في إقامة الاحتفالات الوطنية بذكرى هزيمة النازيين وانتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية، مع الإشارة إلى أن هذا الانتصار كان ثمنه باهظاً، إذ كلّف الأمة السوفياتية 25 مليون قتيل، إضافة إلى دمار وخسائر كبيرة.
وعند هذه النقطة تبرز المحاولة الثانية، غير المنفصلة عن الأولى، حيث يجري التركيز على ما يُسمّى «كلفة» العمل المقاوم، وتحميل المقاومة مسؤولية كل جريمة يرتكبها العدو الإسرائيلي، بل وإدانة الضحية نفسها عندما تعلن تمسّكها بالخيار المقاوم،
خصوصاً أن مجتمع المقاومة شهد تصاعداً في تأييده للعمل المقاوم بالتوازي مع تحقيق الإنجازات، منذ تحرير عام 1985، مروراً بانتصارات عامَي 1993 و1996، وصولاً إلى تحرير عام 2000، وما تلاه من محطات مضيئة في عام 2006، وفي مواجهة المشروع التكفيري، وإسناد غزة، وأولي البأس، وصولاً إلى معركة العصف المأكول.
صحيح أن المقاومة تلقت ضربة في بداية معركة أولي البأس، إلا أن الثقة التي راكمتها لدى مجتمعها، والوعي السياسي لدى جمهور المقاومة، جعلا هذا الجمهور يزداد تمسّكاً بها بوصفها الخيار الوحيد الفعّال في مواجهة المشروع الإسرائيلي، الذي ظهر بعد 7 أكتوبر بنسخته الأكثر توحشاً، والأشد سعياً إلى التوسع والهيمنة والاحتلال.
ومع ذلك، لا تتوقف محاولات الترويج لفكرة أن الكلفة العالية للمقاومة تعني تلقائياً عدم جدواها من جهة، ورفض إعطائها رمزية خاصة من خلال تحويل ذكراها إلى أعياد وطنية من جهة أخرى، وهو ما يتناقض مع كل تجارب الشعوب المقاومة.
بل إن الأعياد الوطنية تزداد أهمية ورمزية وحضوراً في الوجدان الوطني الجمعي كلما كانت التضحيات المبذولة أغلى وأعظم. وبدلاً من أن تتحول هذه المناسبات إلى مصدر إلهام للشعوب، تتكثف حملات التشكيك في فعاليتها، كما هي الحال اليوم.
وهذا المنطق ليس وليد اليوم، بل هو امتداد لحملة يشنها تيار سياسي تاريخي معادٍ للمقاومة اللبنانية منذ تسعينيات القرن الماضي، وهي حملة تستعر وتتلقى دعماً مادياً كبيراً عند كل إنجاز تحققه المقاومة في مواجهة مشروع الهيمنة الأميركي ـ الإسرائيلي، ويجري تسويقها بهدف اعتبار خيار المقاومة خياراً انتحارياً.
وهذا التيار هو امتداد لتيار عربي وعالمي عمل على الترويج لثقافة الاستسلام.
وقد وُجد أصحاب هذه النزعة في كل الأمكنة وكل الأزمنة. ففي منطقتنا، وقفوا بحدّة في وجه المشروع التحرري لعبد الناصر، والمقاومة الجزائرية، والمقاومة الفلسطينية. أما عالمياً، فيمكن اعتبار نموذج حكومة فيشي في فرنسا أحد أبرز ممثلي هذا الاتجاه، ولعل العبارة الشهيرة لرئيسها الجنرال بيتان، التي وصف فيها المقاومين الفرنسيين بالمجرمين، تعبّر عن لسان حال سياسيين كثر في دول مختلفة.
أما في لبنان، فإن هذا الفريق السياسي والإعلامي والدعائي المحيط به يعمل هذه الأيام على إفراغ عيد المقاومة والتحرير من معناه. وقد وصل الأمر بالبعض إلى الدعوة إلى الاستسلام أمام العدو، وتجنّب أي مقاومة أو مواجهة معه، والدعوة إلى التمثل بالنموذجين الياباني والألماني بعد الحرب العالمية الثانية.
بل ذهب البعض إلى حد تمجيد هذا الخيار، متجاهلين ومتنكرين لكل نماذج المقاومة التي عرفتها الدول الأوروبية خلال تلك الحرب، وللأثمان الكبيرة التي دفعتها الشعوب الأوروبية في مواجهة المشروع النازي، ورفضها الخضوع أو الاستسلام له.
والحق يُقال إن تيار المقاومة وقف، ولا يزال، بقوة في وجه هذه المحاولات، واستطاع ــ رغم شراسة الحملات ــ أن يصمد. وكان التمسك بعيد المقاومة والتحرير، وحضوره في المشهد السياسي والإعلامي والثقافي والشعبي اللبناني والعربي، أحد الأدلة على هذا الصمود.
إن تفعيل هذا الحضور يصبح أكثر من ضروري في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة، وعلى ضوء ما يسجله المقاومون من بطولات استثنائية ومفاجآت ميدانية حققوها، وفي ظل التماسك الاستثنائي لجمهور المقاومة ووعيه أمام المخاطر التي يحملها الاحتلال من جهة، وأهمية الإنجازات التي حققتها المقاومة من جهة ثانية.
يدرك أهل المقاومة أن تحرير عام 2000 لم يكن محطة عابرة، بل كان حدثًا مفصليًا، ليس فقط على مستوى المنطقة، وإنما أيضًا على مستوى العالم.
فبعد عشر سنوات على انهيار الاتحاد السوفياتي، وسعي الأميركيين إلى تكريس أحاديتهم القطبية في العالم، والعمل على الإمساك بمقاليد القرار الدولي، والمسارعة إلى إنهاء النزاعات في العالم، ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية عبر مسار التسوية ، جاء إنجاز التحرير ليؤكد أن الأميركيين ليسوا قدرًا محتومًا، وأن مجموعة مقاومة صغيرة كـ حزب الله قادرة على إلحاق الهزيمة بأبرز ذراع أميركية في واحدة من أهم مناطق العالم.
ولا شك أن ذلك شكّل مصدر قلق كبير لمنظومة الهيمنة الأميركية وأداتها الإسرائيلية.
من هنا جاءت المحاولات التي لم تتوقف للقضاء على المقاومة في لبنان، ومن هنا أيضًا نفهم المحاولات المستمرة لضرب كل بُعد معنوي للمقاومة، ومن بينها عيد المقاومة والتحرير، خاصة أن انتصار المقاومة في المعركة الحالية قد تتجاوز تأثيراته ما تحقق عام 2000.
لذلك، ستحتفل المقاومة وأهلها ومؤيدوها في لبنان والعالم العربي والعالم أيضاً بعيد المقاومة والتحرير، وسيؤكدون اعتباره عيدًا وطنيًا كبيرًا وملهمًا للأجيال القادمة ولأحرار العالم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

