السياسية - وكالات:


تحت شمس حارقة، يقف عشرات الرجال والنساء والأطفال في أطراف حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، يحملون أوعية فارغة وعيونهم معلقة بالطريق الترابي المؤدي إلى المنطقة. لا ينتظرون مساعدات كبيرة أو معونات استثنائية، بل ينتظرون صهريج مياه قد يصل وقد لا يصل.


ساعات طويلة تمرّ، فيما يزداد العطش وتتعاظم المخاوف من العودة إلى الخيام والأوعية لا تزال فارغة.


ذلك المشهد يتكرر يوميًا في المناطق القريبة مما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يعيش آلاف النازحين في ظروف إنسانية قاسية، بعيدًا عن نطاق معظم الخدمات الإغاثية، وبين خطر القصف الصهيوني ونقص الماء والغذاء والرعاية الصحية.


في تلك المناطق الممتدة على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة، تحولت الحياة إلى رحلة شاقة للبحث عن أساسيات البقاء. فالمياه التي يفترض أن تكون حقًا مكفولًا للجميع، أصبحت سلعة نادرة، بينما بات الوصول إلى العلاج أو الغذاء يتطلب مجازفة يومية في مناطق مكشوفة للنيران.


ويقول المواطن محمد العرعير لـ صحيفة (فلسطين)، إن المنطقة لا يصلها سوى صهريج واحد من المياه العذبة، وهو لا يكفي لتلبية احتياجات مئات العائلات المقيمة هناك.


ويضيف أن السكان ينتظرون لساعات طويلة للحصول على بضعة لترات من المياه، فيما يعود كثيرون إلى منازلهم أو خيامهم دون أن يتمكنوا من الحصول على احتياجاتهم الأساسية.


ولا تتوقف المعاناة عند العطش، إذ تفتقر المنطقة إلى أي خدمات صحية قريبة، ما يجعل أي إصابة أو حالة مرضية طارئة تهديدًا مباشرًا للحياة. ويستذكر العرعير حادثة قصف صهيوني أصيب خلالها عدد من المواطنين، بينهم أطفال، اضطر معها الأهالي إلى نقل الجرحى لمسافات طويلة نحو المستشفيات العاملة في مدينة غزة.


أما الأطفال، فلم تسلم أحلامهم من قسوة الواقع. فبينما يحاولون مواصلة تعليمهم، يضطرون يوميًا إلى السير عبر طرق مليئة بالركام ومناطق مكشوفة للوصول إلى نقاط تعليمية أقيمت داخل خيام بدائية.


وفي منطقة أخرى من "الخط الأصفر"، يصف المواطن وائل صافي واقعًا مشابهًا، مؤكدًا أن السكان يعيشون عزلة خدمية شبه كاملة، في ظل شح المياه وغياب الخدمات الطبية.


ويشير إلى أن الأطفال والشبان يقطعون مسافات طويلة سيرًا على الأقدام لجلب مياه الشرب، فيما يضطر المرضى والجرحى إلى تحمل مشقة السير للوصول إلى أقرب مركز صحي، في وقت تتركز فيه غالبية المساعدات والمطابخ المجتمعية في المناطق الغربية من مدينة غزة.


ويضيف أن العديد من العائلات تعتمد على آبار المياه منذ بداية الحرب، بينما يتحمل الأهالي تكاليف تشغيل المولدات اللازمة لضخها، في حين تبقى مياه الشرب بعيدة عن متناول السكان بسبب إحجام شاحنات المياه عن دخول المنطقة خشية الاستهداف.


ومع غياب الكهرباء، تتضاعف المعاناة أكثر، إذ يضطر السكان إلى قطع مسافات طويلة لشحن هواتفهم المحمولة، بينما يخيم الظلام على المنطقة مع حلول الليل، لتزداد عزلة العائلات المحاصرة بين الخوف والحرمان.


ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن التدخلات الإنسانية في تلك المناطق تواجه تحديات أمنية ولوجستية كبيرة، إلا أن السكان يرون أن هذه التحديات لا يمكن أن تبرر استمرار حرمان آلاف العائلات من أبسط حقوقها الإنسانية.


هناك، على مقربة من "الخط الأصفر"، لا تُقاس الأيام بعدد ساعاتها، بل بعدد جرعات الماء التي تصل، وبعدد المرضى الذين ينجون، وبالأطفال الذين يعودون سالمين من رحلة البحث عن التعليم أو الشرب.


وفي انتظار استجابة إنسانية تنهي هذا الحرمان، يواصل آلاف النازحين معركتهم اليومية من أجل البقاء، فيما يبقى العطش والمرض والخوف شركاءهم الدائمين.