السياسية - وكالات|| تقرير||


في زاوية منسية على رصيف شارع النفق بمدينة غزة، تجلس أم عمر النعيزي بين جدران بالكاد تستر وجعها، تحاصرها الحروق والإعاقة والفقر من كل جانب.


لم تكتفِ الحرب الصهيونية بسلبها منزلها وأمانها، بل خطفت قدم ابنها الشاب، وأثقلت كاهل طفلتها المريضة بمعاناة مضاعفة، لتتحول حياة الأسرة من الاستقرار إلى معركة يومية من أجل البقاء.


وبين صرخات الألم وعجز الحاجة، تروي الأم حكاية عائلة أنهكها القصف والحصار، ولم يعد يربطها بالحياة سوى أمل خافت بأن تجد من يسمع استغاثتها قبل أن يبتلعها النسيان.


لم تكن أم عمر تتخيل أن تتحول حياتها المستقرة إلى هذا الواقع المؤلم.
فالقصف الصهيوني الذي أصاب عائلتها لم يكتفِ بإلحاق الأذى بجسدها، بل ترك ندوباً أعمق في قلبها.


أصيبت الأم بحروق بالغة وكسور استدعت تثبيت قدمها بالحديد والبلاتين، فيما فقد ابنها الشاب إحدى قدميه في ذات اللحظة التي أصيبت فيها.


تقول الأم بصوت يثقله الألم لـ صحيفة (فلسطين): "الحروق التي في جسدي تهون أمام الحرق الذي في قلبي على ابني. كان سنداً لنا، واليوم أصبح بحاجة لمن يساعده على الوقوف والحركة، بينما أعجز أنا عن خدمة نفسي أو رعاية أسرتي كما كنت أفعل من قبل".


لكن مأساة العائلة لا تتوقف عند هذا الحد. فإلى جانب الإصابة والبتر، ترقد الطفلة ملاك، ذات الأعوام العشرة، على فراشها في حالة صحية معقدة. فمنذ ولادتها وهي تعاني من شلل دماغي كامل نتيجة نقص الأكسجين، إضافة إلى تشنجات متكررة ناجمة عن زيادة كهرباء الدماغ، ما يجعلها بحاجة إلى رعاية طبية مستمرة على مدار الساعة.


وتصف أم عمر أكثر اللحظات قسوة عليها قائلة: "حين تبدأ ملاك بالتشنج يتصلب جسدها الصغير وتفقد وعيها. الأطباء أكدوا لنا أن نقلها إلى المستشفى في هذه الحالات ضرورة عاجلة، لكننا غالباً لا نملك حتى أجرة المواصلات للوصول إلى المستشفى".


وفي ظل الظروف المعيشية القاسية في غزة، باتت احتياجات الطفلة الصحية عبئاً يفوق قدرة الأسرة المنهكة. فملاك تحتاج إلى غذاء خاص وأدوية منتظمة للسيطرة على التشنجات، إضافة إلى فرشة طبية تحميها من التقرحات، وحفاضات خاصة تتطلب تكاليف لا تستطيع العائلة توفيرها.


وتقول الأم بحرقة: "كل ثلاثة أيام تحتاج ابنتي إلى عبوة حفاضات خاصة، وثمنها اليوم يساوي ما نعجز عن توفيره لأيام طويلة. لا نستطيع تأمين الطعام الكافي، فكيف نوفر العلاج والاحتياجات الطبية؟".


ويزيد من قسوة المشهد أن الأسرة تعيش في مكان يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة، بينما ترتفع درجات الحرارة مع حلول الصيف، في وقت تعجز فيه العائلة عن توفير الملابس المناسبة للأطفال أو تأمين الاحتياجات الأساسية التي كانت تُعد في السابق من أبسط متطلبات الحياة.


وتستعيد أم عمر واحدة من أقسى مراحل حياتها خلال الحرب الصهيونية، حين أمضت أكثر من سبعة أشهر داخل المستشفى بعد إصابتها، بعيدة عن طفلتها المريضة.


تقول: "كنت مستلقية على سرير العلاج وأفكر كل لحظة بملاك. كنت أتساءل إن كانت بخير أو جائعة أو حتى على قيد الحياة.
كانت شهوراً طويلة استنزفت ما تبقى من قوتي".


وعندما خرجت من المستشفى، وجدت واقعاً أكثر قسوة مما تركته خلفها. فابنها الذي كان سند الأسرة بات يحتاج إلى طرف صناعي يعينه على الحركة، وطفلتها ما زالت تصارع المرض والتشنجات، فيما أصبحت هي نفسها عاجزة عن القيام بأبسط الأعمال اليومية نتيجة إصاباتها وآثار الحروق التي تغطي جسدها.


واليوم، تجد الأسرة نفسها أمام معركة البحث عن العلاج والطعام والرعاية والحد الأدنى من مقومات الحياة.


أم مصابة، وابن مبتور القدم، وطفلة مريضة تحتاج إلى رعاية دائمة، في ظل أوضاع معيشية متدهورة وانعدام الموارد وغياب أي مصدر دخل يمكن أن يخفف من حجم المعاناة.


وفي ختام حديثها، تطلق أم عمر نداءً يختصر حجم المأساة التي تعيشها أسرتها، مطالبة بتوفير العلاج لابنتها ومستلزماتها الطبية، وتأمين طرف صناعي لابنها، ومساعدتهم على مواجهة أعباء الحياة اليومية التي باتت أثقل من قدرتهم على الاحتمال.


ليست حكاية أم عمر سوى صفحة واحدة من دفتر الألم المفتوح في غزة؛ حيث تتقاطع جراح الحرب مع قسوة المرض والفقر والنزوح، وتتحول أبسط حقوق الإنسان إلى أحلام بعيدة المنال. وبينما تواصل هذه الأسرة صراعها اليومي من أجل البقاء، تبقى آلاف العائلات الأخرى تنتظر بارقة أمل تنتشلها من واقع أثقلته المآسي وأرهقه الانتظار.