السياسية:





بين إخفاقات كشفتها نتائج الحرب على إيران، وجمود ميداني يزداد تعقيداً في لبنان، تتسع في "إسرائيل" دائرة الانتقادات لمسار الحروب التي خاضتها حكومة بنيامين نتنياهو خلال الأشهر الماضية. فمن الحديث عن "إخفاق استراتيجي مدوٍّ" في المواجهة مع إيران، إلى التحذير من تحول الساحة اللبنانية إلى "مستنقع" جديد، ترسم الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية صورة مغايرة للرواية الرسمية التي بشّرت بتحقيق "النصر المطلق" وتغيير موازين القوى في المنطقة.


وتتزامن هذه الانتقادات مع تصاعد الحديث عن اتفاق أميركي - إيراني محتمل، وسط مخاوف إسرائيلية من أن يؤدي أي تفاهم بين واشنطن وطهران إلى تكريس واقع ميداني وسياسي لم تنجح "إسرائيل" في تغييره عبر الحرب، سواء في إيران أو في لبنان. وبينما تتحدث بعض الصحف عن حرب بلا أهداف واضحة في لبنان، ترى أخرى أن نتائج المواجهة مع إيران لم تحقق الأهداف المعلنة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة داخل "إسرائيل" بشأن حصيلة هذه الحروب ومستقبلها.

حرب لبنان عبثية.. ومستنقع يستنزف "الجيش"

في مقدمة الانتقادات التي تتصاعد داخل "إسرائيل"، تبرز الساحة اللبنانية بوصفها المثال الأوضح على ما تصفه الصحف الإسرائيلية بحالة الجمود التي وصلت إليها الحرب. فقد وصفت صحيفة "هآرتس" الحرب في لبنان بأنها "حرب عبثية لا جدوى منها"، معتبرة أن أحداً لا يعرف أهدافها أو أفقها، في وقت يستمر فيه سقوط الجنود وتوسيع العمليات العسكرية من دون تحقيق نتائج حاسمة.

وترى الصحيفة أن توسيع رقعة القتال جنوباً لا يعكس تقدماً ميدانياً، بقدر ما يعكس عجزاً عن إيجاد مخرج سياسي، محذّرة من تحول لبنان إلى "مستنقع" جديد يستنزف "الجيش" الإسرائيلي ويُبقيه عالقاً في مواجهة مفتوحة لا نهاية واضحة لها.

وفي الحديث عن توسيع العمليات العسكرية، ترى الصحيفة أنّ ذلك لن يغيّر نتائج الحرب، باعتبار، "ما لم يتم تحقيقه في حرب استمرت لأكثر من عامين لن يتم تحقيقه بجولة أخرى من الدمار والقتل". كما تدعو إلى وقف توسيع العمليات والانتقال إلى مسار تفاوضي، مشددة على أنّه "بدلاً من تعزيز القوات يجب البدء بإخراجها من لعنة مستنقع لبنان".

وتتقاطع هذه القراءة مع ما نشرته صحيفة "إسرائيل هيوم"، التي تحدثت عن واقع ميداني يجعل "إسرائيل" في موقع الدفاع أمام حزب الله، رغم الوعود المتكررة بتغيير المعادلات الميدانية. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أمنيين انتقادات حادة لأداء حكومة الاحتلال والمؤسسة العسكرية في مواجهة تهديد المسيّرات والمحلقات، معتبرة أن التنظيم يواصل العمل بحرية واسعة نسبياً فيما تتزايد الخسائر في صفوف "الجيش".

وفي السياق نفسه، تربط "إسرائيل هيوم" بين الجمود الميداني في لبنان والمسار السياسي المرتبط بالمفاوضات مع إيران، مشيرة إلى أنّ مطالب المؤسسة العسكرية بتوسيع هامش العمل الهجومي اصطدمت مراراً بحسابات سياسية مرتبطة بعدم إغضاب الإدارة الأميركية خلال الاتصالات الجارية مع طهران.

الجمود العملياتي يحوّل القوات إلى أهداف ثابتة

أما موقع "القناة 12" الإسرائيلية، فذهب أبعد من ذلك عندما تحدث عن حالة "الجمود العملياتي" التي أصابت القوات الإسرائيلية داخل لبنان. ووفق التقرير، فإن تمركز القوات لفترات طويلة في مواقع شبه ثابتة أفقدها عنصر المبادرة وحوّلها إلى أهداف سهلة أمام حرب العصابات التي يعتمدها حزب الله، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان تجارب سابقة ارتبطت بما عُرف بـ"الشريط الحدودي" في جنوب لبنان.

ولا يكتفي التقرير بوصف الواقع الميداني، بل يحمّل القيادة العسكرية والسياسية مسؤولية الوقوع في هذا المأزق، معتبراً أنّ ما يجري كان متوقعاً منذ دخول القوات إلى لبنان. وبحسب الكاتب، تجاهلت القيادة الإسرائيلية مبادئ أساسية في حرب العصابات، كما تجاهلت دروس التجارب السابقة في لبنان، رغم التحذيرات من أنّ أي تموضع طويل للقوات سيمنح حزب الله فرصة البحث عن نقاط الضعف واستغلالها.

ويشير التقرير إلى أنّ بقاء القوات في مواقع شبه ثابتة أتاح لحزب الله جمع معلومات استخباراتية دقيقة عنها، ووضعها تحت مراقبة مستمرة، قبل الانتقال إلى استهدافها بصورة أكثر فاعلية. كما يتحدث عن انتقال الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى مستويات الدعم والإدارة واللوجستيات، في مؤشر إلى اتساع نطاق التهديد الذي تواجهه قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، يستشهد التقرير بمشاهد نشرتها المقاومة الإسلامية - حزب الله، لمقاومين يعملون على مسافة قريبة من القوات الإسرائيلية، معتبراً أنّ هذه المشاهد، تعكس جانباً من الواقع الميداني الذي يواجهه "الجيش" على الأرض. ويخلص إلى أنّ "الثمن الباهظ" الذي تدفعه "إسرائيل" اليوم هو نتيجة مباشرة للاستخفاف بقدرات الخصم والتمسك بأنماط عمل قديمة، محذراً من أنّ استمرار هذا النهج سيؤدي إلى اتساع دائرة الخسائر.

ولا يبدي التقرير تفاؤلاً بإمكانية تغيير هذا الواقع عبر عمليات أو اغتيالات جديدة، إذ يشكك في قدرة أي هجوم إضافي على إحداث تحول حقيقي في مسار الحرب، قبل أن يوجه انتقاده الأشد إلى القيادة السياسية، معتبراً أنّ الحكومة أدخلت "الجيش" إلى "فخ معروف مسبقاً" وأدارته ضمن حملة تفتقر إلى فرصة حقيقية لتحقيق النجاح.

وبين الحديث عن "مستنقع لبنان" و"الجمود العملياتي" ووجود "إسرائيل" في موقع الدفاع، تتشكل في وسائل الإعلام الإسرائيلية صورة متشائمة لمسار الحرب، تقوم على فكرة أساسية مفادها أن العمليات العسكرية المستمرة لم تنجح في تحقيق الحسم المنشود، بل أوجدت واقعاً ميدانياً أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحسم.

هكذا، يتضح أنّ العمليات العسكرية لم تنجح في تحقيق الحسم المنشود، بل أوجدت واقعاً ميدانياً أكثر تعقيداً وأقل قابلية للحسم.

الإخفاق في إيران.. بين الوعود والنتائج

وإذا كانت الصحف الإسرائيلية تتحدث عن الجمود والاستنزاف في لبنان، فإنّ قراءتها لنتائج الحرب على إيران لا تبدو أقل تشاؤماً. فبين الوعود التي سبقت الحرب والنتائج التي أفرزتها، تتحدث وسائل إعلام إسرائيلية عن فجوة واسعة بين الأهداف المعلنة وما تحقق فعلياً على الأرض، وصولاً إلى وصف بعض المسؤولين الأمنيين حصيلة الحرب بأنها تقترب من "إخفاق استراتيجي مدوٍّ".

وفي هذا السياق، نقلت "إسرائيل هيوم" عن مسؤول إسرائيلي كبير يشغل موقعاً حساساً قوله إنّ نتائج المعركة تقترب من تعريف "إخفاق استراتيجي مدوٍّ"، مشيراً إلى أنّ الأهداف التي رُفعت قبل الحرب لم تتحقق، سواء لجهة إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء البرنامج النووي أو فرض معادلات جديدة في المنطقة.

وتضيف الصحيفة أنّ ما قُدِّم للجمهور الإسرائيلي على أنّه فرصة لإحداث تغيير جذري في إيران انتهى إلى واقع مختلف، إذ بقي النظام قائماً، فيما واصلت طهران الحفاظ على عناصر القوة الأساسية لديها، الأمر الذي دفع مسؤولين أمنيين إلى التحذير من اتساع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية.

على صلة، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية اعترافهم بوجود "إخفاق في إيران وفشل في لبنان". كما أشارت هذه التقديرات إلى أنّ "إسرائيل" تجد نفسها في لبنان في موقع الدفاع أمام حزب الله، في صورة تتناقض مع الوعود التي رافقت "توسيع العمليات العسكرية"، وتضع تصريحات رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن مواجهة تهديد المسيّرات والمحلقات موضع تشكيك متزايد.

من جهتها، تذهب صحيفة "معاريف" أبعد من ذلك، معتبرة أنّ الاتفاق الذي يجري التفاوض حوله حالياً بين واشنطن وطهران "سيئ جداً" بالنسبة إلى "إسرائيل". وبحسب الصحيفة، فإنّ تمديد وقف إطلاق النار يأتي في وقت لا تملك فيه الولايات المتحدة و"إسرائيل" "ولو ذرة إنجاز من أهداف الحرب"، في إشارة إلى استمرار النظام الإيراني وبقاء اليورانيوم المخصب وعدم تحقق الأهداف التي رُفعت قبل اندلاع المواجهة.

وتنقل الصحيفة عن ضابط إسرائيلي كبير، شارك في إدارة العدوان على إيران، قوله إنّ بقاء النظام الإيراني واستمرار امتلاكه اليورانيوم المخصب يعنيان عملياً عدم تحقيق أهداف الحرب. ومن هذا المنطلق، ترى "معاريف" أنّ إيران خرجت من المواجهة وهي تشعر بأنّها نجت، بل وربما انتصرت، الأمر الذي قد يتيح لها إعادة ترميم منظوماتها الدفاعية والهجومية بوتيرة متسارعة.

كما تحذر الصحيفة من أنّ طهران بدأت بالفعل إعادة بناء قدراتها العسكرية، بالتوازي مع مساعٍ لتعزيز أذرعها الإقليمية في المنطقة، معتبرة أنّ هذا الواقع يطرح تساؤلات متزايدة داخل "إسرائيل" بشأن الحصيلة الفعلية للحرب، بعدما تحولت الوعود الكبيرة التي سبقتها إلى موضع نقاش وانتقاد داخل الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية.

اتفاق أميركي - إيراني: تقييد لخيارات "إسرائيل"

وإذا كانت الانتقادات الإسرائيلية تتركز على نتائج الحرب في لبنان وإيران، فإنّ جانباً أساسياً من القلق الإسرائيلي يرتبط بالمسار السياسي الذي تبلور بعد انتهاء المواجهة العسكرية. ففي وقت تتحدث فيه واشنطن وطهران عن تفاهمات واتفاقات محتملة، تتزايد التحذيرات في وسائل الإعلام الإسرائيلية من أن تتحول نتائج الحرب إلى واقع سياسي دائم يصعب تغييره.

وفي هذا الإطار، يرى محلل الشؤون الشرق أوسطية في "هآرتس"، تسفي برئيل، أنّ الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم أمام شبكة مترابطة من الملفات، تمتد من إيران إلى لبنان وغزة، في ظل معادلة "وحدة الساحات" التي فرضتها طهران. وبحسب برئيل، لم تعد الجبهات منفصلة كما كانت تُصوَّر سابقاً، بل بات أي تقدم أو تعثر في المفاوضات مع إيران ينعكس مباشرة على الساحات الأخرى، وخصوصاً لبنان.

ويشير الكاتب إلى أنّ الحرب التي كان يُفترض أن تدفع إيران إلى تقديم تنازلات واسعة، لم تحقق الأهداف التي رُسمت لها. بل أدت، وفق تقديره، إلى تراجع الموقفين الأميركي والإسرائيلي. كما يعتبر أنّ الافتراضات التي سبقت الحرب، من إسقاط النظام الإيراني إلى انهياره اقتصادياً أو خضوعه للشروط الأميركية، لم تتحقق، في حين نجحت طهران في الحفاظ على أوراق قوة أساسية وفي مقدمتها ملف مضيق هرمز.

"إسرائيل" رهينة مفاوضات واشنطن - طهران

ويرى برئيل أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باتت أكثر اهتماماً بإنجاز تفاهم مع إيران، من الدخول في مواجهة مفتوحة معها، وهو ما ينعكس أيضاً على الساحة اللبنانية. فبحسب برئيل، فإنّ أي تصعيد كبير ضد حزب الله قد ينعكس مباشرة على المفاوضات الجارية مع طهران، الأمر الذي يجعل هامش الحركة الإسرائيلي أكثر تقييداً مما كان عليه في السابق.

وتذهب هذه القراءة إلى حد اعتبار أنّ "إسرائيل" قد تجد نفسها رهينة للمفاوضات الأميركية - الإيرانية، ولا سيما إذا أدى أي اتفاق أو تفاهم إلى تثبيت وقف إطلاق النار على أكثر من جبهة. وفي هذه الحالة، تخشى أوساط إسرائيلية أن يستفيد حزب الله من الهدوء لإعادة ترميم قدراته، فيما تبقى القضايا العالقة بين لبنان و"إسرائيل" من دون حلول حاسمة.

وبين حديث الصحف عن "مستنقع" في لبنان، واعترافات بإخفاقات في إيران، وتحذيرات من اتفاق قد يقيّد الخيارات العسكرية والسياسية، تتشكل صورة متشائمة داخل وسائل الإعلام الإسرائيلية لحصيلة المرحلة الماضية. صورة تعكس، وفق هذه القراءات، اتساع الفجوة بين الأهداف التي رُفعت قبل الحرب والواقع الذي أفرزته نتائجها، في وقت تستعد فيه المنطقة لدخول مرحلة تفاوضية جديدة قد تكون مختلفة عن تلك التي سعت تل أبيب إلى فرضها عبر القوة العسكرية.

وفي المحصلة، تكشف القراءات التي قدّمتها الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية عن صورة مختلفة عمّا روّجت له "حكومة" الاحتلال مع اندلاع الحرب. وتتقاطع هذه القراءات عند خلاصة واحدة: الحرب لم تنتج الحسم الذي وُعد به الإسرائيليون، بل أفرزت واقعاً أكثر تعقيداً على المستويين العسكري والسياسي.

* المادة نقلت خرفيا من موقع الميادين نت ـ الكاتب: فاطمة خاطر