السياسية - وكالات:

يستمر العدو الإسرائيلي في حرب الإبادة على قطاع غزة، متجاهلًا اتفاق وقف إطلاق النار ومعرقلًا الانتقال إلى مراحل تالية منه، وضاربًا عرض الحائط بكل جهود الوسطاء والضامنين للاتفاق.

وارتقى أكثر من 900 شهيد، وأصيب أكثر من 2700، جريح منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 اكتوبر 2025، وما زال العدو مستمرًا في خروقاته بين القصف الجوي والمدفعي ونسف المنازل وإطلاق الرصاص.

ويوجّه العدو إنذارات إخلاء مفاجئة تتكرر يوميًا وتؤدي إلى تشتت المدنيين الفلسطينيين بين النزوح المتكرر.

وأصبح نحو 60 % من القطاع تحت سيطرة العدو الإسرائيلي بذريعة تنفيذ الاتفاق وتحت مسمى "الخط الأصفر"، وهو الاتفاق الذي يعمل العدو على عرقلة تنفيذه بكل الطرق وتحت كل الذرائع.

كما يستمر العدو الصهيوني في فرض الحصار وسياسة هندسة التجويع ومنع إدخال المساعدات الإغاثية والطبية إلا ما ندر.

كما يمنع إدخال مواد البناء وكل ما يمكن أن يساعد في إعادة الإعمار، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى تضرر أو تدمير أكثر من 370 ألف وحدة سكنية، ما يعني أن مئات آلاف الأسر باتت بلا مأوى مناسب.

وتؤشر تصرفات العدو الإسرائيلي وسياسته القائمة على خلط الأوراق، على سعيه إلى احتلال قطاع غزة والسيطرة عليه بشكل كامل.

فما الذي يسعى العدو الإسرائيلي إلى تحقيقه في غزة وما هي أهدافه الحقيقية؟



ترتيبات أمنية مؤقتة



يرى محللون أن الاتفاق في غزة بقي محصورًا عمليًا في تنفيذ جزء من ترتيبات المرحلة الأولى، وفي مقدّمتها تبادل الأسرى والجثامين بين العدو وفصائل المقاومة. وفي حين التزمت الأخيرة بتنفيذ متطلبات هذه المرحلة، تنصل الكيان الإسرائيلي من أكثر تعهّداتها وأهمها الانسحاب إلى ما وراء الخط الأصفر، وإدخال المساعدات الإنسانية على نحو منتظم، وتخفيف القيود العسكرية المفروضة على القطاع.

ومع أن العدو لم يلتزم بوقف إطلاق النار، وبتنفيذ بقية متطلبات المرحلة الأولى، فقد أعلنت الإدارة الأميركية، في يناير 2026، بدء المرحلة الثانية من خطتها المستندة إلى قرار مجلس الأمن 2803، والمتضمنة إطلاق عملية إعادة الإعمار والانتقال إلى ترتيبات "اليوم التالي"، لأنها كانت مستعجلة في نزع سلاح المقاومة.

ومع ذلك، واصل العدو الإسرائيلي تعطيل الانتقال الفعلي إلى هذه المرحلة، ما عكس تعامله مع وقف إطلاق النار باعتباره ترتيبات أمنية مؤقتة أكثر من كونه نهاية فعلية للحرب.

وامتدت انتهاكات العدو الإسرائيلي إلى الملف الإنساني، مع استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات والوقود والمستلزمات الطبية، الأمر الذي أبقى الأزمة الإنسانية في القطاع عند مستويات حرجة.



انقلاب واضح على التفاهمات



وأكّد الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم، أن ما يجري من جرائم وخروقات وتصعيد متواصل على قطاع غزة تمثل بقصف المنازل السكنية وتشريد أهلها، يمثل انقلابًا واضحًا على التفاهمات والاتفاقات المبرمة برعاية الوسطاء.

وأوضح قاسم، أن التفاهمات نصّت على انسحاب قوات العدو المجرم وعدم فرض وقائع جديدة على الأرض، إلا أن العدو واصل القصف والتدمير والتوغل باتجاه مناطق سكن المواطنين، في محاولة لفرض الأمر الواقع وتضييق الخناق على أبناء الشعب الفلسطيني.

وشدد على أن ما يحدث ليس خروقات عابرة، بل عدوان ممنهج واستهتار بالوساطات والضمانات، واستمرار لسياسات الحصار والتجويع والقتل بحق أكثر من مليوني إنسان.

ودعا الوسطاء والأطراف التي شهدت اتفاق شرم الشيخ، وما يسمى بـ"مجلس السلام" إلى تحرك عاجل لوقف هذه الانتهاكات الخطيرة وإلزام العدو بتنفيذ التزاماته والتراجع عن تجاوزاته الإجرامية.

مصدر آخر في حركة حماس ، أشار إلى أن ما يظهر من الميدان حاليا، حيث عاد الكيان الإسرائيلي لسياسات الاغتيال وصعّد من استهداف نقاط الشرطة، وعمليات هدم المنازل بعد إنذار سكانها، يؤكد أن سلطات العدو تنفذ خطة عسكرية جديدة، تقوم على زيادة الضغط، والذهاب نحو التصعيد.



إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار



من ناحيتها، اعتبرت حركة المجاهدين الفلسطينية، جرائم العدو الصهيوني الفاشية في قطاع غزة، إصرار على المضي بحرب الإبادة والاستخفاف بالمجتمع الدولي.

وأدانت الحركة، في بيان، بشدة جرائم العدو بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والتي كان آخرها استهداف موقع للشرطة مما أدى إلى ارتقاء العديد منهم شهداء في انتهاكٍ متواصل لاتفاق وقف إطلاق النار في ظل غطاء أمريكي وصمت دولي.

وقالت إن "الاستهدافات الصهيونية المتكررة لأبناء شعبنا ولأفراد الشرطة هي سعي خبيث لاشاعة الفوضى وعدم الاستقرار المجتمعي في ظل استمرار حرب الإبادة على شعبنا والحصار الخانق".

كما أدانت الصمت الدولي على استمرار جرائم العدو الصهيوني وتواصل خروقاته لاتفاق التهدئة، محملة الإدارة الأمريكية المسؤولية الكاملة عن مضي العدو في جرائمه بتوفير الغطاء والدعم له.



إعادة الاتفاق إلى نقطة الصفر



من جانبها، قالت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، إن التمسك بأولوية القضايا الإنسانية لأبناء قطاع غزة، والإسراع في حلها، والدخول الفوري للجنة الوطنية إلى القطاع، يشكل الرد العملي على محاولات العدو الإسرائيلي إعادة مسار تطبيق الاتفاق إلى نقطة الصفر.

وأضافت الجبهة الديمقراطية، في بيان، أن الجانب الفلسطيني قدّم ما يتوجب عليه من استحقاقات الاتفاق، بدءاً من الالتزام بوقف إطلاق النار، وتسليم الأسرى الأحياء والأموات، وتقديم رؤيته لإنجاز المرحلة الأولى من الخطة والانتقال إلى المرحلة الثانية، في حين لم تلتزم سلطات العدو الإسرائيلي بأي من بنود الخطة واستحقاقاتها.

وأشارت إلى أن الأعمال العدائية "الإسرائيلية" ما زالت متواصلة، وتؤدي يومياً إلى سقوط عدد من أبناء القطاع، أطفالاً ونساءً، بدواعٍ وذرائع فاسدة تكذبها الوقائع والحقائق.

ولفتت إلى أن سلطات العدو الإسرائيلي تواصل التلاعب بالخط الأصفر، الذي تحول بقرار صهيوني منفرد إلى ما سمي "الخط البرتقالي"، ما أدى إلى تمدد مساحة سيطرة قوات العدو على القطاع من 53% إلى 64%، باعتراف الأمم المتحدة.



"الأمم المتحدة": كارثة إنسانية مركبة



إلى ذلك، أكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، أن الانتهاكات "الإسرائيلية" المستمرة في قطاع غزة منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار قبل 7 أشهر تسببت في واقع مأساوي للسكان، مشيرا إلى أن الفلسطينيين وبينهم الأطفال يتم قتلهم في كل مكان.

وقالت المتحدثة باسم المكتب مي الشيخ، في مقابلة مع قناة الجزيرة، إن جرائم الحرب لم تتوقف في غزة، مؤكدة أن العدو حوّل الهدنة إلى غطاء لعمليات قتل مستمرة أسفرت عن استشهاد 180 مدنيا في الآونة الأخيرة في الخيام وفي الشوارع عبر القصف البحري والجوي.

وأضافت أنهم رصدوا استمرار الهجمات الجوية الإسرائيلية، وخاصة باستخدام المسيّرات والقصف الصاروخي والبحري.

وحذّرت المسؤولة الأممية من كارثة إنسانية مركبة تشمل عجزا كاملا في ملف إعادة الإعمار، وشددت على أن "إسرائيل" تتعمد خنق القطاع إنسانيا عبر تقنين الغذاء والدواء وبث الذعر في صفوف عائلات النازحين على طول الشريط الساحلي للقطاع.

وأضافت أن "استمرار "إسرائيل" في تعريض الفلسطينيين للعنف بهذا الشكل لا يتماشى مع فكرة وقف إطلاق النار"، واعتبرت أن وضع النزوح لا يزال يؤثر على معظم سكان القطاع.

من جانبها ، أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن أزمة غزة لا تقف عند حدود السياسة بل تمتد إلى الغذاء والصحة والإيواء والمياه. كما حذرت منظمة الصحة العالمية من أن آلاف الجرحى في غزة لا يتلقون العلاج الكافي.



"هيومن رايتس ووتش": البنية الإنسانية مهددة



وكان ما يسمى بـ"مجلس السلام"، ادعى في تقرير قدمه إلى مجلس الأمن الدولي، أن الكيان الإسرائيلي سمح بزيادة تدفق المساعدات بنسبة تجاوزت 70%، حيث زعم إدخال نحو 300 ألف طن من المواد الإغاثية.

إلا أن الجهات المختصة في غزة، نفت هذا الادعاء، وأكدت استمرار تشديد العدو الإسرائيلي لإجراءات الحصار على قطاع غزة.

وفي ردها على تقرير المجلس، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إن البنية التحتية الإنسانية التي تُبقي الناس على قيد الحياة في غزة "لا تزال مهددة بعد أكثر من ستة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار".

وأضافت في تقرير أصدرته، أن سلطات العدو الإسرائيلي تقوّض الشرايين التي تغذي الإغاثة"، لافتة إلى أن الهجمات "الإسرائيلية" المستمرة قتلت المئات وأصابت الآلاف.

وفي تعقيبه على اتفاق التهدئة، قال نائب مديرة الشرق الأوسط في المنظمة الحقوقية آدم كوغل ، "كان من المفترض أن تجلب الخطة انفراجا، لكن الفلسطينيين في غزة ما زالوا جياعا ومحرومين من الرعاية الطبية، وما يزال المدنيون يُقتلون. مهما قال مجلس السلام لمجلس الأمن، هذا واقع الحياة بعد ستة أشهر".

وأكّدت "هيومن رايتس ووتش"، أن "الأرقام العريضة التي قدمها "مجلس السلام" تغفل حقيقة أن حجم المساعدات قد انخفض منذ أوائل 2026، ولم يتعافَ إلى ما كان عليه قبل بدء الحرب على إيران في أواخر فبراير، ولم يرجع قط إلى الحد الأدنى الذي تقول الأمم المتحدة إنه ضروري"، لافتة إلى أن "أربع وكالات أممية، قد حذّرت في ديسمبر الماضي من أن المجاعة، التي تراجعت قبل أسابيع فقط بفضل وقف إطلاق النار، قد تعود بسرعة بدون استدامة الإمدادات وإمكانية الحصول عليها".



خلط الأوراق وتعقيد المشهد




من جانبه، أكد مستشار المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، تيسير محيسن، أن العدو الإسرائيلي يواصل تصعيد استهدافاته في قطاع غزة ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى "خلط الأوراق" وتعقيد المشهد التفاوضي.

وأوضح محيسن، في تصريح لوكالة سند للأنباء الفلسطينية، أن العدو الإسرائيلي يحاول نقل الضغوط إلى الجانب الفلسطيني عبر "إرباك المسار السياسي"، في إطار محاولات فرض وقائع تفاوضية جديدة على الأرض.

وأشار إلى أن استمرار وتيرة الاستهدافات خلال الأشهر الماضية يعكس غياب أي نوايا حقيقية لدى العدو الإسرائيلي للالتزام باستحقاقات التهدئة، مضيفًا أنه "لو توفرت إرادة صادقة لكانت هذه الهجمات قد توقفت".

وأضاف أن سلوك "اليمين الإسرائيلي" يعكس سعيه لتحقيق ما يسميه بـ"النصر المطلق"، من خلال إرباك الوضعين الأمني والعسكري في قطاع غزة.

وحذر محيسن من محاولات العدو الإسرائيلي "انتزاع حالة من الاستسلام" من الفصائل الفلسطينية، تمهيدًا لتوظيف ذلك داخليًا في سياق الحسابات السياسية والانتخابية.

وشدد على أن هذه السياسات تعكس نهجًا ثابتًا لدى الاحتلال في إدارة الصراع قائمًا على التصعيد الميداني للضغط السياسي، دون اكتراث بالقانون الدولي أو الاعتبارات الإنسانية.