السياسية || تقرير||



تكتسب المحاضرات التعبوية التي يلقيها قائد الثورة، السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، في العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، ضمن سلسلة "إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، أبعاداً فكرية وسياسية بالغة الأهمية تتجاوز السياق المعتاد للمناسبات الدينية؛ لتضع قراءة استراتيجية واقعية وشاملة لطبيعة الصراع الراهن ومستجدات الأحداث الإقليمية الدولية.


لم تكن محاضرات السيد القائد، مجرد استعراض لمدلول عبادة فريضة الحج والأيام العشر المباركة، بل تنطلق من معطيات واقع الأمة بالتركيز على الدلالات القرآنية، والدور المحوري للشعب اليمني ومحور المقاومة في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الأمة العربية والإسلامية.

تأتي أهمية محاضرات ودروس قائد الثورة بالتزامن مع ذروة التصعيد والاستهداف الذي يواجه محور الجهاد والمقاومة، لتشكل دليلًا حيًا وموجّهًا عمليًا يُعيد رسم بوصلة الأمة نحو مصادر قوتها الحقيقية، مستهدفةً صناعة جيل واعٍ ومحصن لا تؤثر فيه الهزائم النفسية أو محاولات التدجين السياسي التي يسعى الأعداء لفرضها كأمر واقع.

أعاد السيد القائد تأصيل مفهوم "الهوية الإيمانية" باعتبارها السلاح الأقوى في مواجهة حرب المصطلحات والمسخ الثقافي التي تقودها الماكينة الإعلامية والفكرية للغرب، بالتركيز على قيم التضحية، والصبر، والامتثال لأوامر الله، وتحصين الجبهة الداخلية ضد محاولات الاختراق وإضعاف المعنويات، وتعزيز حالة الصمود اليمني المستمر منذ أكثر من عقد كنتاج تعبئة إيمانية واعية ترى في العطاء وسيلة لنيل الحرية والاستقلال الحقيقي.

وفي مسار المواجهة الشاملة، أفرد قائد الثورة مساحة أساسية للمقاطعة الاقتصادية للبضائع والمنتجات الأمريكية والصهيونية والشركات الداعمة لها، باعتبارها واجبًا دينيًا وأخلاقيًا يقع على عاتق أبناء الأمة، في رسالة واضحة بأن سلاح المقاطعة ليس مجرد إجراء سياسي مؤقت، بل جبهة جهادية مؤثرة وسلاح فعال في متناول الجميع يلحق خسائر مباشرة باقتصاد الأعداء الذين يمولون حربهم ومشاريعهم التدميرية ضد المسلمين من عوائد تلك الشركات.

واعتبر السيد القائد، الالتزام بالمقاطعة، اختباراً عملياً لصدق الانتماء والهوية الإيمانية، داعياً إلى تحويل المقاطعة إلى ثقافة مجتمعية وسلوك يومي مستدام، يتكامل مع الجهد الرسمي للدولة في حظر وبتر تدفق سلع الأعداء إلى الأسواق المحلية، والاعتماد على البدائل الوطنية ومخرجات الإنتاج المحلي كخطوة لا غنى عنها لتحقيق السيادة والاستقلال الاقتصادي.

اتسمت قراءة قائد الثورة للمشهد السياسي الخارجي بالواقعية والمكاشفة، واضعاً النقاط على الحروف فيما يتعلق بالتصعيد الأمريكي والصهيوني المستمر ضد شعوب ودول محور المقاومة في فلسطين، ولبنان، واليمن، وإيران، والعراق، مرسخًا مفهوم وحدة الساحات والمصير، وأن المعركة الحالية مع العدو هي معركة وجودية واحدة تشمل المحور كاملاً.

السيد القائد أكد أن الغطرسة الأمريكية والتحركات الصهيونية ستتحطم أمام صخرة وعي وثبات الشعوب الحرة وحراسها الأوفياء، مستشهداً بفشل تحالف العدوان في اليمن على مدى عشر سنوات في تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية.

أفردت محاضرات السيد القائد، مساحة واسعة للحديث عن أهمية الوعي واليقظة الإعلامية والسياسية في المرحلة الراهنة لمواجهة الماكينة التضليلية، وتوضيح خطورة الشائعات ومحاولات تفكيك النسيج الاجتماعي عبر "الحرب الناعمة".

وفي هذا السياق، دعا قائد الثورة إلى المقاطعة الإعلامية للقنوات التي تخدم العدو، باعتبار ذلك ركيزة أساسية لحماية الوعي، معتبرًا مقاطعة القنوات الفضائية والوسائل والمنصات الإعلامية التي تعمل كأدوات تابعة له وللصهاينة، واجباً إيمانياً وجهادياً يقع على عاتق الجميع؛ كونه يقطع الطريق أمام مساعيها الخبيثة لتثبيط العزائم، وتشويه الحقائق، وشيطنة جبهات الحق، وبث الهزيمة النفسية داخل المجتمع.

التضليل الذي تمارسه وسائل إعلام الأعداء للتغطية على هزائمها العسكرية والسياسية، يستدعي تحركاً مسؤولاً من كافة قطاعات الدولة والمؤسسات الإعلامية لتشكيل سد منيع يكشف زيف آلة العدو، وينقل مظلومية الشعوب وانتصاراتها للعالم بكفاءة واقتدار.

لم ينفصل الخطاب التعبوي عن مسار الإصلاح الإداري والمؤسسي؛ حيث تكاملت موجهات قائد الثورة مع خطط وبرامج حكومة التغيير والبناء، لتبين أن تعزيز الوحدة الداخلية وتطوير الأداء الخدمي والإيرادي امتداد طبيعي لمواجهة الحصار الاقتصادي؛ فصمود الجبهة العسكرية والسياسية يتطلب بالضرورة صموداً وتماسكاً في جبهة البناء والتنمية.

محاضرات العشر من ذي الحجة رسمت مسارًا واضحًا للانتصار يتجاوز حدود المواجهة العسكرية الفورية إلى آفاق الاستقلال الفكري والاقتصادي؛ في تأكيدٍ واضحٍ على أن سلاح الوعي، والهوية الإيمانية، والمقاطعة الاقتصادية والإعلامية الفاعلة، هي ضمانات حقيقية لإسقاط رهانات الأعداء وإفشال آلتهم التضليلية، وأن تعزيزَ تماسك الجبهة الداخلية والنهوض بالأداء المؤسسي يمثلان ركيزة أساسية لتعزيز صمود الشعب اليمني ومحور المقاومة في هذه المرحلة الاستثنائية، وصولاً إلى تحقيق السيادة الكاملة والنصر المؤزر.

سبا